حسام الجبلاوي
“مورك”، المركز الرئيسي لإنتاج وتسويق الفستق الحلبي في سوريا، تزرع الفستق وتسقيه من عرق أهلها، ليستولي الشبيحة والأمن على ثماره، ويحرموا المزارعين من الوصول إلى أراضيهم قبيل الحصاد، بعد السماح لهم بالعناية بأشجارهم طوال العام.
لم يخطر في بال الحاج علي، وهو يستعطف أحد أفراد مليشيا الدفاع الوطني في مورك، أنهّ يوما ما سيضطر إلى أن يتوسل أحدهم ويغريه بجزء من نتاج محصوله ليتمكن من قطافه. “هيك الأوامر”، هي كل ما تذرع بها عناصر الحاجز المقام حديثا عند مفرق بستانه. كلمات كانت كفيلة بإشعال غضب الرجل الخمسيني، الذي أفنى شبابه في كرم الفستق، وهو يكدّ به منذ سنوات، لتأتي هذه المفردة وتذهب بحلمه وصبره.
أشهر طويلة مرّت وهو ينتظر موعد القطاف. ومع كل حبة عرق كان الرجل الذي لم يغادر مورك في أحلك الظروف، ينظر إلى أشجاره وهي تزهر وتثمر، ليأتي وقت الحصاد وقد حالت ميليشيات الأسد بينه وبين رزقه. يصف الحاج خسارته بالكبيرة، ويقول: “منذ بداية العام الزراعي ولا أحد يعترض طريقنا البعيد نسبيا عن أماكن القتال. تكلّفت سقاية الأرض ورش أشجارها والعناية بها بشكل يومي. كلفني ذلك أشهرا من الانتظار والأعباء المادية، لأفاجأ عند وقت الحصاد بحواجز عسكرية أقامها شبيحة المناطق المجاورة“. ويضيف بصوت مضطرب وحزين: “منعوا وصولي بحجة الخطر. لكني علمت لاحقا أنّ هذا القرار عُمّم على جميع سكان المنطقة، وقد تحوّل الدفاع الوطني وجنود النظام إلى تجار فستق وعمال في الأراضي، تبدأ مهمتهم في بداية النهار وتنتهي عند المغيب“.
قام بعض الضباط بالانتقال إلى مورك خصيصا، بهدف الاستيلاء على موسم الفستق الحلبي والاتجار به، بعد مصادرة الآلات الخاصة بتكسيره وتقشيره، ونقلها إلى مناطق تمركزهم.
ويتهم ناشطون من مدينة مورك، التي تتصدر إنتاج سوريا من الفستق الحلبي، قوات النظام وميليشياته بالاستيلاء على حصاد الأهالي، وبيع أرزاقهم، وسرقة بعض معدات تقشير وتكسير الفستق الحلبي، ونقلها إلى مناطق تمركزهم، وتجنيد بعض السجناء والمجندين في العمل بها.
هذه الاتهامات وغيرها، صدّقتها بعض المواقع الموالية، وتحدثت عنها بسخرية حين اتهمت بعض ضباط الجيش بالانتقال إلى مورك خصيصا للعمل بتجارة الفستق الحلبي، والانصراف عن المعارك. وحملت إحدى التعليقات شرحا مفصلا لما يحدث في المدينة اليوم بالقول: “إن مورك تعيش حالة من تعفيش الفستق. وحتى تعرف ما يحصل في حماة، عليك أن تعرف ما يحصل في موسم الفستق الحلبي في مورك. براءة اختراع، يضاف لمكرمات قيادة حماة بعد بيع الدبابات، تعفيش الفستق الحلبي في حماة، حيث أن موسم الفستق الحلبي يحدد مسار العملية العسكرية في المدينة“.
وبحسب أهالي المدينة، يعود اهتمام من يصفونهم بالشبيحة بموسم الفستق الحلبي خصيصا، إلى ارتفاع أسعاره. حيث يبلغ حاليا سعر الكيلو غير المقشّر من الحجم المتوسط للثمار من 800 إلى 1000ليرة سورية. كما أنّ حمولة الشجرة الواحدة قد تصل إلى 100كغ، وكل 1 دونم يمكن أن يستوعب 20 شجرة فستق، أي أن الإنتاج قد يصل إلى حوالي 40 ألف طن في الموسم (من أصل 63 ألف طن يتم تسويقها في كل أنحاء سورية)، وذلك بحسب إحصائيات مكتب الفستق في “حماة” لعام 2006.
هذه الأرباح التي يحققها موسم الفستق تستدعي، بحسب الحاج علي، صبرا وعملا لمدة عشر سنوات، وهي الفترة التي تستغرقها شجرة الفستق لتثمر. كما أن الموسم قد يذهب سدى في مواسم الصقيع والبرد.
تتجاوز مساحة الأراضي المزروعة بالفستق الحلبي في مورك 68ألف دونم، وتضم حوالي800 ألف شجرة مثمرة. تنتج سنويا ما يقارب 40ألف طن، وهو ما يشكل نسبة تفوق الـ60% من إنتاج سوريا.
وتتخصص أراضي مورك بزراعة هذه الشجرة دون سواها، لملاءمة مناخ المنطقة لمتطلبات هذا النبات. وتتجاوز مساحة الأراضي المزروعة 68 ألف دونم، تضم حوالي 800 ألف شجرة مثمرة. تعود بداية وجود شجرة الفستق في المدينة إلى منتصف القرن الماضي (1940)، عندما قام أحد أبنائها باستقدام غراس الفستق الحلبي من مدينة حلب. كما تضم المدينة سوقا كبيرا لتصريف الإنتاج، الذي يصدر القسم الأكبر منه إلى أنحاء العالم، وخاصة الفستق “العاشوري”، وهو من أفضل أنواع الفستق العشرين.
يشار إلى أن تسمية الفستق الحلبي جاءت نسبة إلى مدينة حلب التي تعتبر الموطن الأصلي لهذه الشجرة، حيث يعود تاريخ زراعتها في سوريا إلى 3500 سنة ق.م، ومنها انتشرت إلى باقي بلدان العالم. أما اليوم، فإن مورك الواقعة شمال مدينة حماه حوالي 30 كم، هي المدينة الأولى في سوريا بإنتاج هذا المحصول (60% من الإنتاج)، حيث تحتل سوريا بفضلها المرتبة الرابعة عالميا، بعد إيران وأمريكا وتركيا، بحسب أرقام حكومية رسمية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث