تعرضت له العاصمة، إذا ما قارنّاها بالمدن السورية الأخرى وبالأخص المحررة منها،
إلا أن أجواء ما يسمى بالعيد مازالت بعيدة جدا عمّا كانت عليه من قبل. فإذا وضعنا
جانبا الحالة الأمنية التي يفرضها النظام وقائمة الضحايا والمفقودون في كل أسرة
بهذا العيد، نجد ضيق الحال والواقع الاقتصادي الرديء حاجزا يحول بين فرحة أطفال
هذه المدينة وحاضرهم المقيت.
“هل تعتقد أننا قادرون على تأمين ملابس لأطفالنا في هذا العيد، وماذا
عن حلويات العيد”، هو التساؤل الذي تطرحه “لمى” يومياً على زوجها، عله
يجد لها تفسيرا شافياً. ففي كل يوم من أيام الثلث الأخير من رمضان يُسأل الأزواج
نفس الأسئلة التي تناولتها “لمى”، وتكون الإجابات غالبا كما يحدثنا
“نبيل سكر”: “أسعار الملابس بلا رحمة في شهر الرحمة، أما الحلويات فتكاليفها
بطعم المرارة، وأي مصروف غير محسوب سيكلفنا دينا وخسارة، ربما سنعتمد على البالة في
ملابس الأطفال، ونستغني عن الحلويات، وغالباً سنعاود اللجوء للاستدانة”. السيد
نبيل لم يعتد على هذا الواقع، هو مسؤول عن أسرة من أربعة أطفال، يعيش في منزل صغير
بمخيم جرمانا بعد أن نزح من مخيم اليرموك ليضطر للسياحة القسرية التي لم تجلب له
سوى البؤس والشقاء، والمصيبة تكمن بأن حالة نبيل تمثل 80% من السوريين لأن دخلهم
لا يتجاوز الـ100 دولار شهريا.
فكيف يستقبل السوريون في المناطق التابعة لسيطرة النظام عيد الفطر بعد أربعة
أعوام من الفقر والضيق، وما وسائلهم لشراء مستلزمات العيد، وماذا عن أولويات الإنفاق
لديهم، وأسعار ألبسة العيد، وحلويات الأعياد؟ هذا ما تحاول أن تتعرف عليه “صدى
الشام” في السطور القادمة.
حين يتحول العالم الإسلامي للاحتفال بعيد الفطر، بمشاعر الفرح والإيمان، لا
يشعر كثير من السوريين بهذه الأفراح، فالعيد الحالي يُستقبل بألم وشقاء، ما يجعل أهل
سورية يستحقون مع بدايته ما هو أكثر من “كل عام وأنتم بخير”.
يختلف الإنفاق في الأعياد، فالمواطن يرفع شعار “اصرف ما في الجيب يأتيك
ما في الغيب”، وفي غالب الأحيان يكتوي جيبه بنار الدَين، وهو الوحيد الذي قد يجلب
السعادة لأفراد العائلة. وبكل بساطة، هكذا كان يسير قطار الأسرة السورية. وكان واقعها
حينما كان متوسط دخل الموظف 15 ألف ليرة سورية، ما يعادل 300 دولار، وذلك قبل الأعوام
الماضية التي بدلت واقع العيد، فأصبح الأخير حاليا يشكل كابوساً في المصاريف لكثير
من الأسر، لأنها لم تستطيع أن تلبي جميع متطلباتها من الحلويات والألبسة والعيدية لأطفالها،
نتيجة لهيب أسعار المواد الحياتية بمختلف أشكالها وأنواعها، لتتبدل الحسبة ويصبح من
الضروري ضرب التكاليف في الأيام الحالية بخمس مرات على الأقل.
معدلات تسوّق منخفضة
ينتظره الجميع، وأولهم الأطفال، فرحين بملابسهم الجديدة، لكن هذا العام كالذي
سبقه، يكتوي بنار الأسعار، إذ تبيّن معدلات التسوق التي رصدتها “صدى الشام”
في أسواق العاصمة دمشق، أن الإقبال على محلات الألبسة، يسجّل انخفاضاً قويا، في حين
تختفي مواصفات الجودة، في الأسواق الشعبية والراقية. وعليه، تراوحت أسعار البدلات الرجالية
بين 8000-50000 ليرة سورية، أما البدلات التي تحمل ماركات عالمية مشهورة، فيبدأ سعرها
من 35 ألف ليرة سورية ليتجاوز 100 ألف ليرة سورية، حسب جودة الماركة وبلد المنشأ وتكاليف
الاستيراد، لهذا لم تخرج من إطار جنون الأسعار، ما أحيا حسب شهادة الخبراء، سوق الملابس
القديمة، أو المستعملة “البالة”.
يا لتعاسة الموظف
كانت الوظيفة حلما يهرول إليه الكثيرون قبل بداية الصراع في سورية، إذ كان
راتب موظف درجة أولى حينها يبلغ 15 ألف ل.س، أي أنه يتجاوز 300 دولار، وهو ما يعادل
90 ألف ليرة سورية حالياً. أما الآن فإن راتب الموظف درجة أولى يصل لحدود 30 ألف ل.س
سورية، ما يعني أن دخله لا يتجاوز 100 دولار، أي نحو 5 ألاف ليرة سورية قبل أربعة
أعوام. وعليه، أصبح الموظف هو الحلقة الأضعف في الحالة المعيشية في سورية. وينطبق هذا
الواقع مع قدوم أيام العيد، إذ أن “شاكر موسى”، موظف، لا يفكر في شراء ملابس،
أو حلويات العيد هذا العام، قائلا: “رمضان أنهك مصاريفنا التي تضاعفت خلاله، والدولار
لا يرحم”. مضيفاً: “غالبية المهن في سورية استطاعت أن تضاعف أسعارها مع زيادة
الدولار. فعلى سبيل المثال، إن الحلاق رفع السعر لأربعة أو خمسة أضعاف، أي أنه لا يعتبر
متأثراً بالدولار، ووسائل النقل أيضاً رفعت أسعارها، مؤكداً أنه الخاسر الأكبر خلال
العيد”.
تقول علا: “كثيراً ما أسمع من الناس إن هذه موظفةً وحالتها جيدة، لكن
هذا غير صحيح. 90% من الموظفين لا يستطيعون دفع تكاليف كبيرة في رمضان والعيد. أنا
وزوجي موظفان، ودخلنا يبلغ 60 ألف ليرة سورية شهرياً، وفي حال قررنا أن نشتري ملابس
لأطفالنا الخمس فقط، فنحتاج 50 ألف ليرة، فلا يبقى من دخلنا أي مبلغ. هذا العيد لن
نشتري الملابس نهائياً، أما حلويات العيد، فستقتصر على بعض البرازق والغريبة”،
مبينة أن زيادة الأسعار جعلتها تقتصر على الأولويات.
غلاء فاحش
ألبسة الأطفال رافقت أسعار الألبسة الرجالية، وفي كثير من حالات تفوقت عليها،
لتطير كبالونات العيد من أيدي الأطفال. ولم تشفع عبارات التنزيلات التي زينت بها واجهات
المحلات، فأي قطعة ملابس “ولادي” تراوح سعرها بين 2000 -7000 ليرة سورية
وسطياً، ما يعني أن إكساء طفل بمتطلباته كاملة، لا يقل عن 7000 ليرة سورية، بجودة متوسطة،
ومن سوق شعبي. وقد يصل إلى 15 ألف، ضمن الأسواق المعروفة، وإلى 40 ألف ليرة سورية في
حال كانت الألبسة ماركة معروفة. وتفصيلاً، يبلغ سعر بنطال ولادي على البسطات 1800 ليرة
سورية، ويتجاوز 10000 ليرة سورية في حال ماركة معروفة، أما سعر أي كنزة ولادي من أي
بسطة فيبدأ من 2000 لينتهي بحدود 12 ألف ليرة سورية، أما البوط الولادي فيبدأ من
2000 ليرة سورية وينتهي بحدود 15 ألف ليرة سورية في حال كانت جودته عالية.
“إن معظم ما نسمعه ونشاهده على التلفزيون عن تخفيضات في الأسعار وحملات
رمضانية ما هي سوى وهم، لا نشاهده على أرض الواقع، فنحن لم “نعشيها غير”،
فالأسعار نار نار، وداء الغلاء لا يرحم في شهر الرحمة”، بهذه الكلام فتح
“محمد صلاح”، موظف، قلبه لـ”صدى الشام”، مضيفاً: “أسعار الألبسة
ارتفعت بنسبة 26%، مع بداية الشهر الفضيل، وأسعار الحلويات رافقتها في ذلك بنسبة
50% مقارنة مع العام الماضي”. مؤكداً أن خياره قبل العيد هو اللجوء لمحلات البالة،
والتي تبقى أرخص من باقي أسواق دمشق.
بلغ سعر البنطال النسائي ضمن أسواق الحريقة، بين 4000 – 5000 ليرة، أما في
أسواق الصالحية فيتجاوز 6000 ليرة، أما أسعار الأحذية فتبلغ في البسطات نحو 2000 ليرة
سورية، و3000 ليرة سورية في أسواق الحريقة، بينما تصل لـ15 ألف في أسواق الصالحية،
خاصة الماركات المشهورة، حسب كل نوع والمصدر. ووصل سعر بنطال الجينز إلى 4000
-7000 ليرة، ضمن أسواق الشعلان، وفي بعض محلات الماركات يصل السعر إلى 10 ألاف ليرة
سورية، بينما يبلغ سعر بعض القمصان القطنية 3000 ليرة، وثمن البنطال العادي الرجالي،
يتراوح بين 3000 إلى 6000 ليرة سورية، فيما يصل سعر الطقم الولادي إلى 7000 ليرة سورية.
للحلويات .. مرارة في هذا العيد
يبدو أن غالبية الأسر في سورية ستغيب عنها حلوى العيد، ليس بهدف الحفاظ على
الرشاقة أو لشدة حلاوة أيامهم بل على النقيض، لسوء الأحوال ولواقع الأسعار الكارثي
ولضرورة التضحية بالرفاهية للسير بالحال. وهنا تسقط مقولة: “العيد لا تكتمل حلاوته
دون حلوياته”، مع الإبقاء على استقبال المهنئين معنوياً. ففي حسبة بسيطة تحتاج
الأسرة ذات الدخل المحدود، ما لا يقل عن 2000 ليرة سورية، لشراء كليوغرام من الحلويات
متوسطة بحشوة عادية، أما في حال التوجه لسوق الميدان، فإن سعر أي كيلوغرام لن يقل عن
2500 وصولاً إلى 4000 ليرة سورية. أما المبرومة فيبدأ سعرها من 4000 ليرة سورية، ليصل
إلى 8000 ليرة سورية، في حين فإن سعر الشوكولا والسكاكر في أبسط أنواعه 1200 ليرة سورية،
ليبلغ 3000 ليرة سورية. أما حاجيات الحلويات في حال الاعتماد على تصنيعه ضمن المنزل
فإن سعر كيلو الفستق الحلبي 8000 ليرة سورية، أما الجوز فيبلغ سعره وسطياً 5000 ألاف
ليرة سورية، والعجوة يبدأ سعرها من 750 لينتهي بحدود 2000 ليرة سورية، وهي تكلف في
حال أُعدت ضمن المنزل نحو 18 ألف ليرة سورية، لكنها تبقى أرخص من شرائها من محال الحلويات.
مبررات ارتفاع الأسعار
يؤكد المحلل الاقتصادي محمد عمر في حديثه لـ”صدى الشام”، ارتفاع
أسعار الحلويات في أسواق دمشق بنحو 50%، مع اقتراب حلول عيد الفطر، مقارنةً مع الأعوام
الماضية. إذ ارتفعت أسعار السوق بشكل جنوني لم يسبق له مثيل في الأعوام السابقة. وعليه،
فإن ما يحدد سعر الحلويات هو النوعية وتكاليف المواد الأولية، كالسمن والفستق والجوز
والحليب التي شهدت ارتفاعاً ملموساً. لكن ذلك لا ينفي وجود مبالغات في أسعار الحلويات،
التي كانت محررة سابقاً، ثم أعيدت إلى التسعير ضمن نسب ربح محددة للبائع. مؤكداً أن
الحلويات المصنعة بالسمن الحيواني، تبقى صاحبة السعر الأعلى، أما أسعار الملابس فيتحكم
فيها، بحسب “عمر”، عامل نقلها بين المحافظات وتكاليف استيرادها والمواد الأولية
المصنعة فيها وحجم العرض والطلب. ومن هنا يقول: “الملابس” وحتى الحلويات”
في العيد لم تعد من الضروريات حيث أصبحت كماليات، إذ لا يمكن أن تشتري ألبسة أو حلويات
وتحرم نفسك من الطعام، أو حتى الشراب. فسلم الأولويات أختلف عما قبل الصراع الدائر
في سورية”.
في حين أشار تقرير لمؤسسة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة
للنظام، أن قفزات سعرية كبيرة طالت الألبسة، خاصة ملبوسات الأطفال، بحجة ارتفاع سعر
الدولار. ولاسيما أنها مواد محررة السعر بشكل أتاح للباعة التلاعب بأسعارها، مع ملاحظة
أن أغلبية المحال تعرض ألبسة العام الماضي دون أن يؤثر ذلك على تخفيض أسعارها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث