الرئيسية / رأي / عوائق المنطقة الآمنة

عوائق المنطقة الآمنة

عبد
القادر عبد اللي

يكتب
الصحفيون الأتراك المعارضون لحزب العدالة والتنمية عن معوقات تركية داخلية لإقامة
منطقة آمنة في الشمال السوري. وإذا كانت هذه المعوقات تصل حدد الشطط في بعض
الأحيان، ولا تتجاوز كونها أحلامَ وكالتيّ “سانا” و”فارس” للدعاية
والإعلان، فإن هناك تحليلات منطقية، ولا بد من أخذها بعين الاعتبار. وأهم هذه
المعوقات هو ما ستواجهه الحكومة التركية من احتجاجات شعبية لقطاع يعتبر مهماً في
تركيا، وهم العلويون الذين توحدوا بغالبيتهم المطلقة مع الأسد على الرغم من اختلاف
انتمائهم القومي، والأكراد الذين سيعتبرون أن هذه العملية موجهة ضد أشقائهم في
الشمال السوري.

هذا
على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الخارجي، فهناك العائق الأمريكي الذي يمنع
أيضاً إقامة منطقة كهذه لما ستكلف المجتمع الدولي من مشاكل والتزامات.

الغريب
في الأمر أن أحداً لا يتحدث عن معوقات سورية داخلية لمنطقة آمنة كهذه. وفيما لو تم
تناول هذا الجانب، فإما أن يؤخذ بطريقة كاريكاتورية مأخوذة من الصفحات المؤيدة
للنظام، أو على الطريقة الأمريكية من المبالغة بالقوة الهائلة لداعش التي ستتصدى
للجيش التركي، وتوقع فيه خسائر جسيمة لا يحتملها. تُرى، هل هذا كل شيء؟

عندما
تشكل جيش الفتح، وطرد النظام من إدلب، نبّه كثيرٌ من الكتاب والسياسيين إلى أن هذه
التجربة ستوضع تحت المهجر، وستكون مقياساً لما سيأتي لاحقاً. ولكن بعد مرور مائة
يوم، لم تخضع هذه التجربة للتحليل العميق والدقيق ومعرفة الإيجابيات والسلبيات
لإمكانية القياس عليها لاحقاً.

بالطبع
لقد حققت إيجابية عسكرية مهمة على صعيد الانتصارات وسد الفصائل نقص بعضها بعضاً،
وهذا ما جعل المناطق الأخرى في سورية تشكّل بنى عسكرية مشابهة. ولكن ماذا على صعيد
الإدارة؟

إن
أي خوض في هذا الموضوع، وإن كان بسيطاً على طريقة خوض وليد معماري وحسن م. يوسف في
زاوية قوس قزح الشهيرة في تشرين، يعرّض صاحبه إلى تهمة “وهن نفسية
الأمة”، و”الفتنة” من أدبيات حزب الديكتاتوريات العالمية كلها،
وعلى مدى العصور.

الحزب
القائد في العصور كلها له الحق الحصري بقيادة الدولة والمجتمع، وهذا يكفله دستورا
كتبه المنتصر إن كان محتلاً أو محرراً بمادة متشابهة نصاً، ويمكن أن تختلف رقماً.
فهل ألغيت هذه المادة في الفتح الجديد؟ لا أريد أن أوهن نفسية الأمة أو أن أكون
سبباً بفتنة، فأنا أسأل من باب الاستفسار فقط، أم أن الهاربين من جحيم النظام ليس
لهم الحق بالسؤال أيضاً؟

من
أهم صفات الأحزاب التي تقود الدولة والمجتمع أن تعزل شعبها، وتجعله كأنه يعيش في
جزيرة معزولة لكيلا يعرف ما يجري في الخارج. ومع الزمن، تعتقد هذه الأحزاب أن
الخارج أيضاً لا يعرف شيئاً عنها إلا ما تبثه هي. وفيما لو قال أحد ما في الخارج
شيئاً مخالفاً لما تبثه فهو “إمبريالي وصهيوني”، وقد أضافت إليه الأدبيات
الدكتاتورية الحديثة “صليبي”.

كل
ما يجري على أرض الواقع معروف، وبأدق التفاصيل، وصولاً إلى أسواق السنة التي لم
تعد محصورة بطائفة معينة، فقد أصبح في المناطق السنية كلها “أسواق سنّة”.
وإذا اختلفت تسميتها، فهي لا تتعدى الاختلاف بترقيم المادة الدستورية حول قيادة
الدولة والمجتمع في الأحزاب الديكتاتورية.

أعلن
النظام السوري بأن مؤامرة كونية تحاك ضده، والطريف بالأمر أن هذه المؤامرة دائماً
موجودة، ولكن لم تنتشر سوى بعد انطلاق الاحتجاجات السورية عليه. وسبب المؤامرة
الأخيرة، بحسب قول الداعية الشيعي صلاح الدين آقغندوز: “الديمقراطية السورية
التي لم ولن يستطيع الغرب الوصول إليها”. وهذه لم تكن جديدة، فكل
الديكتاتوريات في العالم هي نماذج فريدة تحسدها عليها الأمم، لذلك تتآمر عليها.

الكتاب
الأتراك يكتبون يومياً عن محاذير أية عملية عسكرية ما وراء الحدود، وفي كتاباتهم
ما يمكن أن نتفق أو نختلف معه، ولكن ماذا فعلنا بأنفسنا؟ هل أثبتنا أننا قادرون
على الإدارة؟

قبل
أن نتحدث عن نجاح أو فشل عملية عسكرية تركية تفرض منطقة آمنة –أو مناطق آمنة
متعددة- في الشمال السوري، لنضع الإنجازات في الميزان، ونرى النتيجة. إذا كانت
التحركات العسكرية الأخيرة قد حققت نجاحات مهمة حقيقة، فهي ليست بحاجة جيوش تدخل
لتحقق مناطق من هذا النوع. أما إذا كانت تلك الجيوش ستؤسس لإدارة ما، فهل هذا يعني
أن هناك فشلاً بالإدارة؟ أم أن هذا السؤال أيضاً يوهن نفسية الأمة؟

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *