الرئيسية / رأي / دعارة

دعارة

ثائر الزعزوع

تقول عبارة قديمة إن الفن هو وجه الأمة، ويمكن قياس تطور الأمم
والمجتمعات من خلال قياس درجة تطور الفنون والآداب فيها، كما يمكن قياس انحدار أي
مجتمع وفقاً لذلك المقياس نفسه، على اعتبار أنه يعكس رقي الناس وذوقهم العام، كما
يعكس مستوى الوعي والقيم الجمالية التي يؤمن بها المجتمع. وقد رصد المؤرخون مراحل
أو عصور انحطاط الكثير من المجتمعات بدراسة حركة الفن في حقبة من الحقب. وقد لاحظ
المؤرخون أن الحروب والنزاعات تؤثر بشكل كبير على حركة الفنون وترسم مسارات جديدة
ومختلفة لما كان سائداً قبلها. وقد شهدت أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى وصولاً
إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، فترة ذهبية في مجال الفنون والآداب، ونشأت
تيارات فكرية وفنية عديدة، كما ظهرت أسماء في عالم الإبداع ما زالت مؤثرة حتى
يومنا هذا.

غداة احتلال العراق وربما قبل ذلك بقليل، عاشت الأغنية العراقية، والتي
تعتبر واحدة من أهم مدارس الغناء العربي، انحداراً مؤلماً على مستوى اللحن
والكلمات، فاختفى من المشهد مغنون كبار مثل ياس خضر وسعدون جابر وسواهما، ليظهر
مغن يغني البرتقالة، ومغن آخر يغني الباذنجانة. وانزاحت بشكل كلي الأغنية العراقية
الأصيلة من المشهد، وباتت استعادتها شبه مستحيلة لعدم وجود حالة ثقافية قادرة على
احتضانها والنهوض بها من جديد.

في سوريا ومنذ سنوات طويلة، بدأت مرحلة الانهيار الفني، بل والانحطاط
الذي كان يتم برعاية وإشراف مباشر من قبل المؤسسات الحكومية وشركات الإنتاج الفني
المرتبطة بشكل كبير بالنظام الحاكم، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. وقد تحولت
نقابة الفنانين، كما اتحاد الكتاب ونقابة التشكيليين، إلى مؤسسات تابعة لمؤسسة
الحكم، تسير وفق منهج واحد. لن نقول إنه منهج تدميري، لكنه بطبيعة الحال لم يكن
منهجاً يهدف إلى الارتقاء بالفن ولا بالأدب ولا بالثقافة عموماً، بل يسعى إلى
الإطاحة بالإرث السوري، واستبداله بنتاج “أسدي” صرف. فأقصي من المشهد
مثقفون وفنانون رواد، وجيء بكل من هب ودب ليأخذ مكانه في المقدمة. طبعاً كان الشرط
الأساسي أن يكون مشمولاً برعاية النظام وممتثلاً لأوامره، فتحول علي الديك ومن
قبله فؤاد غازي إلى رمزين وطنيين، فلذلك لم يكن مستغرباً في وقت من الأوقات أن
تخصص صحيفة الثورة أحد أعداد ملحقها الثقافي للحديث عن تجربة علي الديك.

تلفزيونياً، اعتبرت الدراما السورية واحداً من أعمدة النظام المهمة، ولم
يخف وزير الإعلام الأسبق محسن بلال هذه الحقيقة حين قال في ندوة أقامها التلفزيون
للحديث عن الدراما: إن أي انتقاد يسيء إلى الدراما السورية مرفوض، بل إن من
ينتقدها هو متآمر على مصلحة الدولة. ولهذا فقد ألحقت الدراما ومنذ أيام الوزير
الأسبق محمد سلمان بوزارة الإعلام، فكان مشرفاً رئيساً عليها. ويقال، والكلام على
ذمة الراوي، إنه كان يتقاضى عمولات من قبل شركات الإنتاج لتمرير بعض الأعمال بسرعة
وعدم خضوعها لروتين الرقابة والموافقات المطلوبة. وبناء عليه، فلم يكن مستغرباً
أيضاً أن يرشح وزير الإعلام بعض الفنانين ليصبحوا نجوماً من خلال فرضهم على صانعي
الدراما، منتجين ومخرجين. وقد برزت أسماء بعض شركاء النظام من رجال الأعمال
كمنتجين كبار، لعل أبرزهم محمد حمشو الذي يعلم الكثيرون أنه مجرد موظف يدير أموال
آل الأسد ويستثمرها. وإن كانت الدراما السورية قد شهدت فترة انتعاش، ونافست في
الكثير من السنوات الدراما المصرية التي بدأت تعاني من الترهل شأنها شأن النظام
السياسي في مصر، فإن ذلك لا يعني أنها قدمت دائماً أعمالاً متميزة، لكن غياب النقد
الحقيقي والأكاديمي سبب تراكماً في الخلل، ما أدى إلى أن يستسهل صانعو الدراما
تقديم أي شيء، وصولاً إلى ما نشهده حالياً من انحطاط لا على المستوى الأخلاقي
فحسب، بل حتى على مستوى كتابة النصوص والأداء، والإخراج.

خلال شهر رمضان هذا العام، وصلت الدراما السورية إلى الحضيض، وفق وصف
لأحد المتابعين. الأمر لا يتعلق بالحرية بطبيعة الحال، لكنه يتعلق بدرجة كبيرة
بمدى رغبة النظام نفسه في الإساءة للسوريين وتصويرهم على أنهم شعب عديم القيم، فهم
إما متطرف أصولي، واستطراداً داعشي، وإما منحل أخلاقياً يسهل عليه بيع كل شيء.
وكان تحويل ثورة الشعب السوري ضد الاستبداد والديكتاتورية إلى ثورة سلفية تحارب
التطور، واحداً من أهم التوجيهات التي تلقاها صانعو الدراما جميعاً. وبما أن بعض الفضائيات
الخليجية لديها رغبة في عرض “اللحم السوري الأبيض الرخيص” لجمهورها، فقد
سارعت لشراء تلك الأعمال، على الرغم من أن بعض تلك الفضائيات لا تمانع في التباكي
على مأساة السوريين المشردين.

لعل الصورة باتت واضحة، فما وصل إليه الفن السوري من انحطاط ليس نتيجة
لما تمر به سوريا، لكنه عمل مدروس اشتغل عليه النظام منذ سنوات طويلة، وبرعاية
مباشرة من قبل العصابة على أكبر مستوياتها.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *