الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / بارقة أمل.. حول تفتّت الجيوش العربية

بارقة أمل.. حول تفتّت الجيوش العربية

طريف العتيق

لم يحظَ اجتماع رؤساء أركان الجيوش
العربية المنعقد في أواخر أيار الماضي بكثيرٍ من الاهتمام، رغم أنه الاجتماع
الأوّل من نوعه الساعي إلى تشكيل قوّة عربية مشتركة من جيوش
21 دولة تضع “مكافحة الإرهاب” هدفاً رئيسياً
لأجندتها. إذ يشهد الإعلام العربيّ الرسمي منذ عامين تقريباً؛ عزفاً متصاعداً على
وتر أهمية “الجيوش العربيّة” في حماية الأمن وصيانة النظام، والوقوف في
وجه المؤامرات الأمريكية الغربية الهادفة إلى تفتيت هذه الجيوش باعتبارها العدوّ
الأول لإسرائيل، وتمهيداً لإعادة تقسيم المنطقة وفق مخطّطٍ لشرق أوسط جديد، كما
يقولون.

يشترك في ذلك الإعلام السوري الذي بات
خطابه منحصراً في إنجازات “الجيش الباسل المقدام” وهو يتصدّى للمؤامرة
الرامية إلى القضاء على “قلعة الممانعة والصمود”. حيث لم تعد ثقافة
تبجيل البوط العسكري بغريبة ضمن مفرداته، ابتداءً من تقبيله على الهواء مباشرة
(كما فعلت الإعلامية التونسية كوثر البشراوي، ولحقها الفنان السوري زهير رمضان
وغيرهم)، وانتهاءً بنصب تذكاري حقيقي في مدخل مدينة اللاذقية يمثّل البوط العسكري.

نغمة المؤامرة على الجيوش العربية تبدو
أكثر وضوحاً في الإعلام المصري بمختلف قنواته الفضائية ومحطاته الإذاعية وصحفه
المطبوعة، إذ ينظر هذا الإعلام لكل ما يجري من أحداث مصرية على أنها “مؤامرة
صهيو أمريكية” تهدف إلى القضاء على الجيش المصري، “أكبر الجيوش
العربية”، إلى حد نشر أحد الكتّاب في جريدة الأهرام المصرية قائلًا إن
“وجود مصر نفسها مرتهن بجيشها الذي مد ظلها في عمق التاريخ والجغرافيا”،
بينما عدّ الدكتور أنور عبد المالك المجتمع المصري “مجتمعاَ عسكرياً”.
وتمتلئ القنوات المصرية بلقاءات شبه يوميّة تقدّم طقوس التبجيل والدعاء لجيش أم
الدنيا.

وحسب دراسة نشرها “المركز العربي
للدراسات والتوثيق المعلوماتي”، فإن ما يحدث اليوم في كل من سوريا ومصر
واليمن وليبيا هو استمرار لما حدث من تفتيت للجيش العراقي عام
2003، بحيث لا يبقى في وجه إسرائيل سوى مليشيات
ضعيفة ومتفرقة لا تقوى على مواجهة الجيوش المدرّبة.

ما يحدث اليوم في كل من سوريا
ومصر واليمن وليبيا هو استمرار لما حدث من تفتيت للجيش العراقي عام 2003

وما يمكن ملاحظته هنا، اشتراك الدول
السابقة كلها في “مصاب” واحد، هو استيقاظ “وعي الشعوب” العربية
تجاه حقوقها وتنبهها إلى “قوّة الإرادة الجماعية”. الأمر الذي ملأ ساحات
وميادين تلك الدول بمظاهرات واعتصامات متفاوتة الحدّة، مختلفة المطالب. بينما لم
تلعب هذه الجيوش قاطبةً (باستثناء الجيش التونسي) من دورٍ سوى الوقوف في وجه
الشعوب ومطالبها، قمعاً وقتلاً وإمعاناً في الذل والاستبداد. فأيّ دورٍ يرجى منها
إذا اجتمعت أو زاد تنظيمها.

ففي الوقت الذي تطالب فيه (مثلاً) بعض
النخب السياسية والمثقفة في ليبيا دول العالم مساعدتها على بناء الجيش الليبي
الجديد كـ “أولوية ملحّة”، يغيب عن ذهن هذه النخب أن آخر حرب خاضها
الجيش الليبي كانت عام
1977مع جارته مصر، بسبب اختلاف الدولتين على تقسيم الحدود المشتركة. ثم تلتها أوامر
العقيد القذافي في دكّ معاقل ثورة فبراير في
2011.

إن القارئ لمسيرة الجيوش العربية منذ
بدء تشكّلها وحتى اليوم، لا يقع على حربٍ واحدةٍ مشرّفة كان فيها استعادة حقوق أو
صيانة أرض، بل ما كان وما جرى هو على العكس من ذلك؛ تسلّط على الحقوق وحماية لعروش
الطغاة. ثم إن الأرقام التي يجري تسويقها “إعلامياً” في ترتيب الجيوش
العربية لا تنفع أيضاً، إذ ما الذي يعنيه الحديث عن كون “الجيش السوري”
مثلًا يحتل المرتبة السادسة والعشرين على مستوى جيوش العالم، طالما أن إسرائيل
تقبع في المرتبة الحادية عشر. ما الذي نجنيه من تقدم الجيش السوري على هولندا
بينما تتفوق عليه “دولة العدو” أضعافا مضاعفة.

القارئ لمسيرة الجيوش العربية
منذ بدء تشكّلها وحتى اليوم، لا يقع على حربٍ واحدةٍ مشرّفة كان فيها استعادة حقوق
أو صيانة أرض

الواقع يقول إنه طالما بقي العسكر
المؤسسة الأكثر قوةً وتنظيماً في العالم العربي، فإنه لن تقوم للحرية والديمقراطية
قائمة فيها. وهذه اليابان وألمانيا خرجتا من الحرب العالمية الثانية دولاً دون
جيوش، إلا أنها استطاعت تحقيق قفزة اقتصادية واجتماعية وحضارية عالية المستوى.

يبدو أنّ تفتت الجيوش العربية الحالية،
والتي بنيت للدفاع عن الاستبداد ومنظومته، هو “الشر” الذي لا بدّ منه،
وهو الذي سيتيح للقوى المدنيّة مساحةً تتنفس فيها، لتتمكن من تنظيم نفسها في أحزاب
سياسية وقوى وتيارات مدنيّة، علّنا نصل أخيراً إلى دولة يحكم فيها المدنيون أنفسهم،
بينما يبقى العسكر في ثكناتهم.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *