ثائر الزعزوع
لا يمكن إعطاء إحصائية
دقيقة بأعداد السوريين الذين تفرقوا في بلاد الأرض، حتى لم يبق مدينة أوروبية لم
يصلوا إليها. ومؤخراً قالت وسائل إعلام سويدية إن اللاجئين السوريين في السويد
أكثرهم من المتعلمين الذين يتقنون اللغة الإنكليزية، أو يحملون شهادات جامعية. ومازال
توافد السوريين على بلدان اللجوء مستمراً وبشتى الوسائل، ولكل منهم قصة مختلفة عن
قصة سواه. البعض منهم لا يؤيدون الثورة ولا يحبونها، على رأي لؤي حسين، لكنهم
وجدوا أنفسهم مضطرين للفرار بعد أن ضاقت بهم سبل الحياة أو أن الخطر بات قريباً من
عتبات منازلهم، وهناك قسم من مؤيدي النظام، وهؤلاء يقولون إنهم خافوا على أنفسهم
من انتقام الثوار ولذلك فضلوا ترك كل شيء والنجاة بأرواحهم، لكن القسم الأكبر من
السوريين اللاجئين هم من مناطق الثورة التي ما زالت مشتعلة حتى الآن، نصف هؤلاء
اللاجئين ينتظر بفارغ الصبر ذلك الخبر الذي ننتظره جميعاً ليحزم حقائبه ويعود إلى
سوريا، فهو غير قادر على استيعاب فكرة وجوده بعيداً عن وطنه، وهو يرفض بشكل كلي
الاندماج في تلك المجتمعات الغريبة التي وجد نفسه مجبراً على التعامل معها. وعلى
الرغم مما يبدو أنه إغراءات تقدمها الدول الأوربية للاجئين، إلا أن ذلك لا يعني
شيئاً، فالمهم أن يسقط النظام وأن نعود لبلدنا. ويبدو أن الكثيرين يخشون من تكرار
مأساة الفلسطينيين التي شهدوها بأم أعينهم، فالفلسطيني يحزم أمتعته منذ أكثر من
ستين عاماً، وهو ما زال ينتظر، ما زال يحمل مفتاح بيت جده الذي ورثه عن أبيه، رغم
أنه لا يعرف ذلك البيت بل إن أباه نفسه لا يعرف البيت الذي حمل مفتاحه طيلة حياته.
هذه المأساة السورية اليومية، وهذا التشتت الذي لم يشهد التاريخ الحديث له مثيلاً،
كما تقول دراسات للأمم المتحدة، إذ إن الهجرة السورية تفوق أي هجرة أخرى، حتى انها
تتفوق على الأفغانية والعراقية. لكن الملاحظ بالمقابل، أن ثمة جيلاً سورياً يتشكل
بمفاهيم جديدة وقيم اجتماعية وثقافية جديدة، وهذا الجيل الجديد هو جيل معلق بين
ثقافتين، ولا يمكنه بأي حال من الأحوال أن ينتمي إلى إحداهما بشكل كامل، ولا يمكنه
بالمقابل الانسلاخ عن إحداهما. وهذه الأزمة تضعنا أمام نوع جديد من التشتت، يضاف
إليه طبعاً أن مئات الآلاف من الأطفال لم يتسن لهم أن يتلقوا أي نوع من التعليم
منذ ثلاث سنوات تقريباً، وقد خضع آلاف الأطفال لدورات شرعية برعاية جبهة النصرة
وتنظيم داعش وسواهما، وما تبقى من أطفال سوريا مازال يخضع لعملية غسيل مخ كبيرة
داخل مدارس النظام التي تحرص على تدجينه وإبقائه رهيناً للمفاهيم الخاطئة وعبداً
لثقافة الاستبداد التي ثار ضدها السوريون. وإن كانت هذه العوامل كلها تبدو غائبة
عن أذهان الكثيرين، وخاصة أولئك الذين ينشغلون بتأمين كفاف يومهم في ظل الظروف
المأساوية التي يعيشونها في الداخل، أو في بعض البلدان العربية، إلا أن وضع هذه
التساؤلات على طاولة البحث هو مسؤولية كبرى تلقى على كاهل المؤسسات العاملة في الشأن
العام، وهي قضية في غاية الحساسية ولا يمكن إغفالها أو التعامل معها على أنها نوع
من الترف الزائد الذي لا يقدم ولا يؤخر في الوقت الراهن. وإن كنت أتفق مع أن
مقاومة الموت والبقاء على قيد الحياة هو الأمر الأكثر أهمية، إلا أني أعتقد أن
فناءنا كمكون ثقافي له تاريخ طويل ومتنوع لا يقل أهمية عن بقائنا أحياء. وإن كانت
داعش قد استطاعت طمس هويتنا الثقافية وتغييب سوريتنا من خلال الإرهاب الذي تمارسه،
وهي في معظم مكوناتها لا تعرف شيئاً عن أي شيء في سوريا، فإن لملمة ذلك الإرث
الثقافي هو مسؤولية كبرى تقع على كواهلنا جميعاً، وسأذكركم بأني لا أتحدث عن
الآثار والمتاحف فقط، بل عن ثقافتنا كلها بدءاً بأزيائنا الشعبية وصولاً إلى
مطابخنا وأفراحنا وأتراحنا.
جاء في المعجم في شرح
كلمة شام أنها النقطة السوداء في البدن، وتعتبر من علامات الجمال عند العرب. وقيل
صاروا شاماً في البلاد، أي تفرقوا في البلاد تفرق الشامات في الجسد.
فهل سنكون جميلين في
جسد واحد، أم أن قدرنا أن نظل هكذا متفرقين في البلاد لا رابط بيننا؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث