السورية بواقعٍ يصعب تخيّله، بعد أن صَعُبَ على البعض قبل سنوات توقُّع المسبب به،
ناقوس الخطر أُصيب بالعجز لكثرة جعجعته دون جدوى، عشرات الآلاف من سكان القرى
العربيَة هُجّروا من بيوتهم قسرا بفعل القوات الكردية التي استغلت شعار (محاربة
تنظيم لدولة) وفعلت ما فعلت بالقرى العربية، ما جعل كابوس التغيير الديموغرافي
للمنطقة أقرب للواقع، وسط صمت قاتل مطبق.
سيطر
تنظيم الدولة على مناطق واسعة من ريف الحسكة الجنوبي والغربي، إضافة إلى مدن
الشدّادي وتل براك والهول، وأجزاء واسعة من ريف مدينة رأس العين، منذ نحو العام تقريبا.
ثم امتدت السيطرة لتشمل تل تمر، وهي منطقة يكاد يكون المكون الكردي فيها معدوما،
حيث تعتبر هذه المنطقة عربية خالصة، باستثناء بلدة تل تمر، والتي تشكل فيها
الطائفة الأشورية النسبة الأكبر من السكان. وبطبيعة الحال ينتمي الأشوريون عرقيا
إلى القومية العربية، كما أفاد العديد من الخبراء.
وكأنّ الهجرة مصير العرب
الأزليّ
قبل أيام بدأت ميلشيا “وحدات حماية
الشعب” (YPG)، التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، بمساندة كبيرة من
طيران التحالف الدولي، حملة عسكرية واسعة للسيطرة على هذه المناطق، والتي كانت في غالبيتها
تخضع للجيش السوري الحر قبل أن ينسحب معظم مقاتليه من الحسكة إثر نجاح التنظيم في
السيطرة على المنطقة، التي شربت الكثير من دماء الحر بعد معارك عنيفة مع قوات
النظام منذ انطلاق الثورة السورية.
نزح نحو 150 ألف مدني من
قرى جبل عبد العزيز، الممتدة على طول 85 كم جنوب غربي الحسكة، على مساحة 84 ألف هكتار.قصد النازحون مناطق البادية باتجاه محافظة دير الزور بشكل أساسي.
يقول الناشط “أحمد أبو خليل”: “بدأت
الحملة العسكرية لميلشيا “وحدات حماية الشعب” (YPG) على جبل عبد العزيز منذ
شهر شباط فعليا، لكنها نجحت مؤخرا في السيطرة على منطقة “مرقب علي” في
جبل عبد العزيز، وبذلك سيطرت على جبهة الجبل الشمالية المشرفة على ريف الحسكة
الغربي.
ويؤكد “أبو خليل” أن “وحدات
الحماية”، وبعد سيطرتها على المنطقة الممتدة من الحسكة إلى قمة مرقب علي في
جبل عبد العزيز، هجّرت مئات الآلاف من المدنيين، كانوا يقطنون أكثر من مئة قرية
ومزرعة عربية في المنطقة. فيصف نزوح المدنيين من المنطقة بأنه أشبه بمشاهد النزوح
الفلسطيني في الـ 48، ويطلق على مشاهد النزوح هذه “التغريبة الجزراوية”.
سلبٌ ونهبٌ، وتعطيش..
يضيف الناشط أبو خليل: “إن قرى (تل مجدل، العشرة، الرزازة، أم الكبر، تل خليف، المدينة،
الشلاشية، المدان، السوسة، جرن أبيض، مغلوجة، الغرا، الحويش، سيد عباد، الطهمين
ونايفة حبش)، على سبيل المثال لا الحصر، تعرّضت
جميعها للنهب من الوحدات الكردية، قبل أن يتم تجريف منازلها الطينية، ويُطرد
أهلها، وتُصادر محاصيل القمح والشعير التي زرعت فيها. علما أن المنطقة
تشتهر بصلاحية أرضها للزراعة. كل هذا كان تحت شمّاعة الوقوف مع تنظيم الدولة، مع
أن الغالبية العظمى تعمل في الزراعة وتربية المواشي ولا تنتمي، لا تنظيما ولا إيدولوجيا،
إلى تنظيم الدولة”. يتابع أبو خليل: “إن ممارسات ميلشيا “الوحدات
الكردية” وصلت إلى منع المدنيين العرب في الجبل من الحصول على الماء من نبع
قرية مغلوجة. ويعتبر النبع المصدر الوحيد للمياه الصالحة للشرب في المنطقة،
باعتبار أن ريف جبل عبد العزيز منطقة فقيرة وغير مدعومة بشبكه لمياه الشرب”.
بين “كزوان”
و”الخلافة”.. ضاع العرب
الأساسي هو تغير التكوين الديمغرافي في المنطقة. وملامح هذا الهدف تبدو في إطلاق
أسم “كزوان”، من قبل الإعلام الرسمي للوحدات الكردية، على ما كان يسمى
بجبل “الخلافة”، أبان سيطرة تنظيم الدولة على المنطقة. ولا يخفي أبو
خليل تهكمه من الاسمين، وهما لا يستندان لأي مرجع تاريخي.
نزح آلاف المدنيين من قرى الريف الجنوبي
الغربي لمدينة رأس العين، بعد سيطرة ميلشيا “الوحدات الكردية” على القرى
المنتشرة على طول الطريق الواصل بين مدينتي رأس العين وتل أبيض التابعة لمحافظة الرقة.
حيث وصلت “الوحدات الكردية” إلى بلدة المبروكة يوم الأربعاء 27 / 5/ 2015،
وانسحب تنظيم الدولة من المنطقة.
يقول أبو وسام الحسكاوي، عضو اتحاد شباب
الحسكة: “إن الوحدات الكردية هجّرت جميع القرى في الريف الجنوبي وصولا إلى
صوامع العالية على الأتوستراد الدولي. كما هجّرت جميع القرى في ريف رأس العين
الغربي وصولاً إلى مدينة المبروكة”.
وأكد الحسكاوي أن “الوحدات الكردية أحرقت
خمسة منازل في قريتي الذبيان وكامل وقرية جديدة عدوان، بالإضافة إلى منزل في قرية الرسيم.
كذلك أحرقت منازل عدد من المدنيين في قرية حيلة، القريبة من مركز صوامع العالية،
وقتلت مدنياً يعمل في رعي الغنم تعذيباً بعد أسره في قرية الحواس.
وأضاف الحسكاوي: “إن قرية فريسة، في
الريف الغربي لمدينة رأس العين، تعرض للحرق. مع أنها تحت سيطرة الوحدات الكردية
ولم يدخلها تنظيم الدولة. كما أُحرقت منازل مدنيين في قرى أبو جلود وأبو شيخات
والعدوانية”.
وتابع الحسكاوي: “استشهد خمسة مدنيين
قنصاً في قرية أبو شيخات في الريف الغربي، بينما استشهد ثلاثة مدنيين في قصف
التحالف على القرية ذاتها”.
وأوضح الحسكاوي أن مئات العائلات العربية
هجرت من مدينة رأس العين وريفها في فترات زمنية متقطعة، منذ سيطرة “الوحدات
الكردية” على المدينة وتوسعها في الريف أواخر الـعام 2013.
الائتلاف يحذر من “السلوك
الإرهابي”
فرق تقوم بتوثيق الانتهاكات في كل سورية. وحسب خالد الحلو، نائب وزير العدل في
الحكومة السورية المؤقتة، فإن أصعب مناطق عمل هذه الفرق التابعة للحكومة هي مناطق
سيطرة ميلشيا “وحدات الحماية الشعبية” و”تنظيم داعش”. ويؤكد
“الحلو” أن جميع التقارير الواردة إلى الحكومة توضح وجود تهجير ممنهج بالقوة
لكل من له صلة بالثورة السورية. وإن كان أغلب المُهجّرين من قبل “وحدات
الحماية” من العرب، حيث استغلت الوحدات تقدم “الحماية الشعبية” في
ريفي مدينتي الحسكة ورأس العين. لكن هذا لا يلغي وجود انتهاكات ضد الأكراد
والسريان وجميع مكونات تجمّع الحسكة من مناصري الثورة.
بينما أصدر
الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة بياناً، بتاريخ 30/5/2015، حذر فيه من
الممارسات القمعية التي تقوم بها “وحدات حماية الشعب” التابعة لحزب
الاتحاد الديمقراطي، واصفاً اياها بالسلوك “الإرهابي”.
وبيّن الائتلاف أن الأعمال القمعية التي
ارتكبها حزب الاتحاد الديمقراطي، عبر وحدات حماية الشعب التابعة للحزب، شملت حملات
اعتقال وتهجير ممنهجة، كما أجبرت الشباب على الهجرة تجنبا للخدمة الإلزامية في صفوفها.
بالإضافة إلى ارتكاب “وحدات الحماية” لجرائم تتعلق بخطف القاصرات، ما
دفع عشرات العائلات العربية والكردية إلى النزوح والهجرة.
وحدات الحماية تنفي ما يُنسب
إليها..
رودير خليل، الناطق باسم “وحدات
الحماية الشعبية” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، نفى لـ “صدى الشام”
نفيا قاطعا قيام “وحدات الحماية” بحملة تهجير، أو ارتكاب انتهاكات في
منطقة جبل عبد العزيز وريف رأس العين. وقال، في رده على سؤالنا له حول منع
المدنيين من العودة إلى قراهم: “إن تنظيم الدولة ترك عبوات مفخخة في هذه
القرى ويوميا -يستشهد- من مقاتلي الحماية الشعبية واحد أو اثنين بسبب وجود مثل هذه
الألغام”. كذلك رد خليل على بيان الائتلاف الوطني سابق الذكر بالقول:
“كل ما انتصرت قواتنا في مكان ما، خرج الائتلاف ببيان يهدف إلى خلط الأوراق
وقلب الحقائق ليغطي على هزائم تنظيم الدولة”. ووصف خليل خِطاب الائتلاف بأنه
“هتك عرض الثورة السورية، وأزاح الثورة عن مسارها”.
إذكاء الشعور القومي
حملة التهجير هذه، التي تحدث في ريف
الحسكة الجنوبي الغربي ومنطقة جبل عبد العزيز وريف رأس العين، ليست الأولى.
فميلشيا “الوحدات الكردية” هجّرت أيضاً أُسراً عربية من مناطق جنوب الرد
وريف مدينة القامشلي الجنوبي وصولاً إلى مدينة تل حميس، التي عانت من حملات
التهجير القسري هي الأخرى، وفق ما أشار إليه الباحث مهند الكاطع لـ “صدى
الشام”.
وأضاف الكاطع أن هدف عمليات التهجير والحرق
بالدرجة الأولى، كان قبول سكان تلك المناطق الخضوع بسلطة الأمر الواقع. ثم فيما
بعد، إجبار السكان على التجنيد الإجباري الذي تفرضه الإدارة الذاتية الكردية في
محافظة الحسكة، والتي يُطلق عليها كانتون الجزيرة.
وأكد الكاطع أن ممارسات ميلشيا “وحدات
حماية الشعب” لم تشمل فقط العرب في محافظة الحسكة، بل تعدتهم إلى الأكراد
أيضا في المدن والبلدات الخاضعة لسيطرة “الوحدات الكردية”. ما دفع بمئات
من المدنيين الأكراد إلى اللجوء للدولة المجاورة أو إقليم كردستان العراق، بسبب
القمع وفرض التجنيد الإجباري على الشباب وتجنيد القاصرات والأطفال، التي تفرضه
“الوحدات الكردية” في مناطق سيطرتها.
استبعد الباحث أن يكون هدف التهجير الذي تقوم
به “وحدات الحماية” هو تغيير التركيبة الديمغرافية في محافظة الحسكة، معولا
في ذلك على تمسك السكان العرب بقراهم. فالأسر العربية التي تنزح بسبب القمع
والتنكيل، تنتقل إلى قرى مجاورة خارج سيطرة “الوحدات الكردية” وقريبة من
قراهم الأم. بينما يتجسد الهدف الحقيقي لسياسيات “وحدات الحماية”، برأيه،
في محاولة الحصول على دعم شعبي كردي عن طريق إذكاء الشعور القومي الكردي، وهو ما
فشلت فيه “الوحدات الكردية”، إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار أن أغلب
المقاتلين في صفوفها هم أتراك من مقاتلي حزب العمال الكردستناني، وليسوا سوريين.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث