رانيا مصطفى
قامت الثورة السورية ضدَّ نظام شمولي، ولتحقيق
انفراجٍ عام وحياة أفضل لكل السوريين. الشعب بطبعِه تواقٌ إلى الاستقرار، ويكرَه
العمل السياسي؛ لكنه وصل إلى درجة من الضيق وانسداد أفق المستقبل جعلت استقراره
الاجتماعي يتزعزع، مما استوجب التغيير. فالآثار الاقتصادية والاجتماعية للسياسات
الليبرالية الجديدة التي انتهجتها الحكومة السورية منذ تولي الأسد الابن للحكم،
كانت مروعة. وقد كانت تسير بوتيرة أبطأ من قبل، وتسارعت، ثم حققت قفزات منذ العام
2007؛ بعد رفع الدعم عن المحروقات والسماد، والبدء بالخصخصة وزيادة الضرائب
والمخالفات بشكل مهول، والأهم فتح الأسواق على المنتجات الأجنبية الصينية والتركية
والخليجية والأوروبية. كل ذلك تسبب في ضرب المنتوج الوطني، وضرب الزراعة، وبالتالي
زيادة معدّلات الفقر والبطالة، خاصة لدى شريحة الشباب.
لذلك
كان الشباب السوري في أساس الثورة، وكان التهميش والفقر هو العامل الحاسم في
استمرارها، فالأحياء والأرياف المهمّشة هي التي تحملت العبء الأكبر من القتل
والدمار، كما أن الشريحة الأكبر من مقاتلي الجيش الحر هي من المفقرين، فلا خيار
آخر لهم، فيمَ انكفأت مناطق الطبقات الوسطى، وهاجر قسم كبير من شبابها.
الفقر
والتهميش، المتصاعدانمع توسع الحرب والدمار خلال سنوات الثورة، كانا العامل المحدد لظواهر قد لا تقبلها
عقولٌ كثيرة، كانضمام معارضين إلى القتال في صف النظام، وانتساب آخرين إلى صفوف
الكتائب الجهادية بالضدّ من قناعاتهم السابقة. وبالمثل، شكّل الفقر العامل الأساسي
لتشكيل مليشيات الدفاع الوطني على كامل المناطق التي يسيطر عليها النظام.
بالتأكيد
التغيير المرتقب مهمٌّ بالنسبة للسوريين، لجهة تحقيق بعض الانفراج السياسي، وتوقف
الحرب وخروج المعتقلين؛ لكنّ القادم ليس بالضرورة أن يعني الاستقرار. الاستقرار غير
ممكن دون حل مشكلة الفقر، وتوفير فرص عمل للجميع. وهذا يتطلب التراجع عن السياسات
الليبرالية الجديدة التي انتهجها النظام، الأمر الذي هو ليس في نيّة المعارضة برمّتها،
حسب ما تُنبِئُ به الأوراق والبيانات والمؤتمرات الاقتصادية المتعددة التي عُقِدت
منذ بدء الثورة.
مسألة
النمط الاقتصادي الذي ستتبعه الحكومة المقبلة ليسَ مسألة خَيار بين أنماط جاهزة،
وما على الشعب سوى الاستفتاء عليها؛ والأمر لا يتعلق بإيديولوجيا من سيحكم
مستقبلاً سواء كان ليبرالياً أم اشتراكياً أم إسلامياً…
الاشتراكية
أمر غير ممكن الآن، لكنها حلمٌ مشروع للشعوب لتحقيق العدالة الاجتماعية الكاملة في
توزيع الدخل. ولا يوجد نمط اقتصادي إسلامي، حيث تُظهِر التجربة في حكم الإسلاميين
في مصر وتونس استمرارهم بالنهج الليبرالي المدمِّر ذاته، مع تبدل بعضٍ من الشخوص
المستفيدة، فمعظم الإخوانيين تجّار، ولهم ارتباطاتهم مع الدول الإقليمية. التجربة
التركية أفضل حالاً، فالحكومة أوجدت أسواقاً لتصريف المنتجات التركية، عبر
علاقاتها مع الدول العربية خصوصاً، وبالتالي تطوَّرت الصناعة المحلية لديها،
وتراجعت نسبة البطالة. لكن نتائج ذلك لم تكن إيجابية على الشعب، بسبب استمرار فرض
الضرائب، واستمرار الخصخصة والغلاء، وبالتالي زيادة الفوارق الطبقية، بحيث تعود
عوائد النمو المتحقق إلى جيوب الحكام وحاشيتهم من التجار. بكل الأحوال لا يبدو أن
إسلاميي سورية معنيون بتشجيع الصناعة الوطنية، بل هم معنيون فقط بفتح أسواق
للمنتجات التركية والخليجية والأوروبية والأمريكية وغيرها، والدعم التركي والقطري
لهم يُنبِئُ بذلك.
فالاندماج
بالرأسمالية العالمية يعني بالضرورة أن يكون النمط الاقتصادي المتّبع ريعياً
وتابعاً للمراكز الرأسمالية العالمية، أي سيُبقي بلاد الأطراف بلا صناعة حكماً،
نتيجة تحرير الأسواق أمام المنتج الأجنبي، وبالتالي سيُبقي البلاد بلا مصدر دخل،
سوى ما تملكه من ثروات باطنية؛ وسورية لا تملك ما يكفي لجعل الشعب في بحبوحة كما هو
حال بعض بلدان الخليج الصغيرة. كما أن الاستدانة من صندوق النقد الدولي تعني أنه
سيفرض شروطَه القاسية على عمل الحكومة، وقوانينَ تقول بالمزيد من الضرائب، وتحمي
المافيات الناهبة، وتزيد ثراءها.. ودون إنتاج.
وبالتالي،
الاندماج الكامل في السياسات الليبرالية العولمية لا يعني سوى ترسيخ سياسات الاحتكار
المافياوي، والتخلف الذي يضمن استمراره، ولا فرق إذا كان المستفيدون هم آل الأسد
ومخلوف أم غيرهم، طالما أن الفوارق الطبقية في تزايد، كما الضرائب والغلاء في
تزايد أيضاً.
هناك
من يرى أن الليبرالية تطوِّر نفسَها! وأن تحقيق النمو ممكن في ظل الاندماج
بالسياسات الرأسمالية العالمية، وأنّ الصين حقّقت نموّاً هائلاً بعد تخلّيها عن
السياسات الشيوعية، وصارت دولةً عظمى؛ وهذا صحيح بنظرة سريعة. لكن الصين تمتلك عدداً
هائلاً من الأيدي العاملة الرخيصة وغير المحميّة، لأنها مكوّنة من المهاجرين
الريفيين غير الشرعيين إلى المدينة، وهذا سرّها؛ فشعبها، البالغ بليون نسمة، هو
الأكثر عرضة للاستغلال في العالم، ولا يستفيد من النّمو سوى 10 بالمئة فقط من
السكان، وهم يشكلون أضخم سوق عالمي أيضاً، والتسعون بالمئة هم احتياطي الأيدي
العاملة الرخيصة؛ كما أنّ درجة الفقر في الصين تفوق ما يحصل في أفقر البلدان
الإفريقية. هذا ما شجع الشركات العابرة للقارات على نقل مراكزها إلى الصين، حيث لا
نقابات قوية كما هو الحال في أوروبا وأمريكا، وحيث السوق الواسعة، إضافة إلى توفر
أعداد كبيرة من العلماء وخبراء التكنولوجيا.
بعض
دول أوروبا استسلمت لسياسات صندوق النقد الدولي، وكانت النتيجة الإفلاس؛ ما جعل
شعوبها تنتفض ضد تلك السياسات. وهنا نلحظ فوز حزب سيريزا اليساري الجذري في
اليونان، والذي يقول بمطالب الشعب بالضد من السياسات الليبرالية.
لقد
أثبتت التجارب الكثيرة أنّ منظمات المجتمع المدني في العالم الرأسمالي، على كثرتها
ووفرة تمويلها، تعمل دون جدوى فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وأضيف أنّ لها دوراً
عكسياً. فهي مؤسسات غير ديمقراطية، وتعزّز الفردانية على حساب العمل الجماعي، وتمتص
طاقات الشباب المتطوع فيها لأجل العمل الخيري، بدلاً من تركه يحاول تنظيم نفسه في
مؤسسات قيادية في المجتمع، كالنقابات والأحزاب وحتى المجالس المحلية في أصغر
الأحياء. ويمكن ملاحظة الدور السلبي لتلك المؤسسات “الإن جي أوز” في
سورية.
منظمات المجتمع المدني في العالم الرأسمالي، تعمل دون جدوى بخصوص
حقوق الإنسان، وهي مؤسسات غير ديمقراطية وتعزز الفردانية وتمتص طاقات الشباب
المتطوع
من
هنا تحتاج سورية في المستقبل إلى عمل شعبي مؤسّساتي منظَّم، يضغط على الحكومة، بل
ويشارك في القرار، من أجل عدم السماح للمافيات الاقتصادية الجديدة بالتفرّد
بالقرارات، التي تضمن استمرار تراكم رأسمالها على حساب الشعب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث