الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / المنتدى الاقتصادي العمالي…حوار بيزنطي واتهامات بالجملة

المنتدى الاقتصادي العمالي…حوار بيزنطي واتهامات بالجملة

أحمد العربي

شكل الملتقى الاقتصادي العمالي الأول، والذي عقد
في دمشق قبل عشرة أيام، وللمرة الأولى منذ بدء الثورة السورية، حلقة جديدة في
سلسلة الكذب واستغباء المواطن التي اعتادتها الحكومة السورية. حيث تحول المنتدى منبراً
وساحة لمواجهة صريحة وجريئة بين أصحاب الرؤى الاقتصادية من أساتذة جامعات ومحللين اقتصاديين
وبين البعض من الفريق الحكومي. وقد حاول، في الحوارات التي دارت، كل طرف من الأطراف
تبرئة نفسه من المسؤولية عن الكارثة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، وإلقاء التهمة
على غيره من المؤسسات الاقتصادية. وكل ذلك جاء في سياق درامي لم يخلُ من مشادات
كلامية بين الأطراف في محاولة لتبرئة النظام مما يعانيه المواطن السوري من ضنك
العيش، وإلقاء كل ما يحدث على عاتق الفريق الاقتصادي.

كانت وتيرة النقاشات تصاعدية من حيث الجرأة في
الطرح والنقاش، حيث افتتح الحوار ببعض الكذب المعتاد من المسؤولين السوريين حول
دور العقوبات في تدمير الوضع الاقتصادي للبلاد، تخللها بعض الكوميديا التشبيحية
ممن يدعى د. غسان إبراهيم، حيث شرح للحضور الفرق بين ما سماه الحرب “الخشنة “،
أي الحرب التقليدية، والحرب “الناعمة”، أي العقوبات الاقتصادية. مبيناً
أنه في القوانين الدولية لا توجد عقوبات اقتصادية، وهي من اختراع الولايات المتحدة
الأميركية التي فرضتها على دول العالم 163 مرة. ولم تكن العقوبات بهدف معاقبة الخصم
بقدر ما هدفت إلى تحقيق مصالح من يفرضها. ويعتقد إبراهيم أنه في مثل هذا الملتقى لا
داعي لذكر الأرقام لأنها لا تقدم شيئاً للجمهور، ولا يعتقد بجدوى العمل التنموي في
ظل غياب الاستقرار الأمني.

إذاً، ندوة تتناول أزمة اقتصادية لا داعي لذكر
الأرقام فيها، حيث يعتبر علم الاقتصاد الأرقام أمراً ثانوياً بطبيعته. وهنا تدخل
اسماعيل إسماعيل، وزير المالية، ليفشي أحد أسرار الدولة حين طالبه بعض الباحثين من
الحضور بتقديم إحصاءات دقيقة للخسائر التي تعرض لها الاقتصاد السوري. حين قال إن
المكتب المركزي للإحصاء لديه المعلومات والأرقام، ولكن الحكومة تمنع نشرها.

لم يفوت الاشتراكيون طبعاً الفرصة لمهاجمة
الليبرالية والفريق الاقتصادي الذي تبناها، ملقين على عاتقهم كل ما وصلت له سورية
سياسياً واقتصادياً منذ عشر سنوات إلى الآن. بل وصلت التهمة إلى حد التخوين، على
لسان الدكتور منير الحمش، للفريق الاقتصادي، حيث “عزا أسباب هذه الأزمة إلى سياسة
اقتصاد السوق الاجتماعي، التي أخذها الفريق الاقتصادي قبل الأزمة والتي كان ينفذ من
خلالها متطلبات “الغرب” من سورية، سواء كان يدري هذا الفريق أنه يفعل ذلك
أم لا يدري. وبدت المشكلة أكثر وضوحاً في الخطة الخمسية العاشرة. واتهم الحمش سياسة
اقتصاد السوق الاجتماعي بزيادة البطالة والفقر وإهمال الريف وإغلاق آلاف المعامل وتراجع
التعليم وانتشار الفساد، والدخول فيما يسمى مجتمع المخاطر. وكل ذلك لأننا في سورية
كنا نشكل عقبة أمام تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد.

لم يفوت الاشتراكيون الفرصة
لمهاجمة الليبرالية والفريق الاقتصادي الذي تبناها، ملقين على عاتقهم كل ما وصلت
له سورية سياسياً واقتصادياً منذ عشر سنوات

وللأسف، “جهاتنا المختصة” لم تكن تدرك
أبعاد ذلك، وطرحنا حينها شعار التمكين قبل التحرير، والمقصود “تحرير التجارة
“. وبغصة بالغة، يروي الحمش منظر ثلاثة عشر وزيراً سورياً وتركياً وهم يقطعون
حاجز باب الهوى الحدودي الذي من خلاله دخلت البضائع التركية إلى كل مكان. ومن هذا الحاجز
دخلت الأسلحة والإرهابيون. “إن السياسة الليبرالية هي التي أوصلت البلاد إلى ما
نحن فيه، وشكلت التربة التي نمت فيها المجموعات المعارضة. وحتى الحكومات التي جاءت
خلال الأزمة لم تدرك هذه الحقيقة واستمرت في تنفيذ هذه السياسة”. لم يُترك
منير الحمش، أستاذ نظرية المؤامرة، منفرداً، إذ سرعان ما تدخل داعماً لوجهة نظره
عمار بكداش، أمين عام الحزب الشيوعي، والذي أعاد إحياء الصراع الذي نسيه العالم
بين الاشتراكية والرأسمالية. لم يحتمل ممثلو الحكومة هذا الهجوم، فانبروا للدفاع
عن سياسة الانفتاح التي انتهجتها الحكومة منذ عشر سنوات. حيث رد ياسر حورية، رئيس جامعة
الشام الخاصة، في مداخلة دافع فيها عن سياسة الحكومة السابقة، متهماً الباحث الحمش
بإهمال الجانب السياسي الذي كان سائداً خلال تلك الفترات، وخصوصاً العالمي منه، نافياً
أن يكون سبب الصراع على سورية اقتصادياً. واستغرب محاربة اقتصاد السوق الاجتماعي قائلاً:
“نحن لم نخترع هذا الاقتصاد في سورية، علماً أنه حقق نمواً كبيراً. وربما يكون
قد أهمل الجانب الاجتماعي على حساب الجانب الاقتصادي”.

ثم ما لبث
حيان سلمان،
معاون وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية السورية في حكومة النظام، أن لام بشدة المحللين الاقتصاديين الذين لم يحسنوا استغلال “المناخ
الديمقراطي” في البلاد. واصفاً إياهم بالصقور في غياب أصحاب القرار والحمائم
في حضورهم. بعد ذلك الحوار البيزنطي، الذي يشبه الجدل حول من وجد أولاً البيضة أم
الدجاجة، توحد الفريقان المتصارعان عندما تذكروا (سعر الصرف)، فبدأوا بالهجوم على
حاكم المصرف المركزي، أديب ميالة، والذي كان جالساً بصمت طوال الوقت، وقلبه يلهج
بالدعاء ألا يتذكره أحد. ولكن هيهات، حيث أنزل الحاضرون التهم عليه كزخ المطر، مما
دفعه لكشف المستور وتبرئة نفسه بالقول: “ومن يهاجم المزادات التي نجريها لبيع
الدولار؟ أقله: هذه المزادات بعلم وبقرار وموافقة رئاسة مجلس الوزراء. ولا أريد لأحد
أن يحمل الحاكم مسؤولية ذلك، لأن كل الجهات المسؤولة في البلاد ساهمت في استقرار سعر
صرف الليرة. وللأسف وجدت أن جزءاً كبيراً من الكلام هو نقد لاقتصاد السوق الاجتماعي،
علماً أن الفريق الاقتصادي كان ينفذ سياسة الحزب”.

حوار
بيزنطي دار في المنتدى الاقتصادي يشبه الجدل حول من وجد أولاً البيضة أم الدجاجة

بالمحصلة كانت نتيجة هذا الملتقى كمن فسر الماء
بعد الجهد بالماء. فباءت بالفشل جميع محاولات تبرير الوضع الاقتصادي المزري الذي
وصلت له سوريا، بالمؤامرة والخطة المدبرة والإرهاب. وانتهى الحاضرون، دون قصد، إلى
أن المشكلة تعود لما قبل الثورة السورية أصلاً، وتكمن في سياسة النظام وحزب البعث
التي دمرت البلاد وكانت سبباً بالثورة.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *