د.بشار أحمد
ما بين
التصفية السياسيّة والتصفية الجسديّة خيط رفيع قد ينقطع وقد لا ينقطع. إلا أنّ المتتبع للأوضاع
السوريّة في السنوات الأخيرة، يدرك أنّ التصفية السياسيّة غالباً ما تكون مرتبطة
بتصفية جسديّة، وخاصّةً أنّ الولاءات الطائفية والعشائرية (العائلية)، التي لعبت
دوراً في قوة النظام السوري خلال الأربعين عاماً الماضية من سيطرته على السلطة، لم
تعد تصب في مصلحة النظام بعد عمليات التصفية السياسية والجسدية التي كثرت في الفترة
الأخيرة داخل نخبة النظام الأمنية والعسكرية والتي طاولت شخصيات كبيرة ومهمّة.
أسباب
كثيرة يمكن نسبها لعمليات التصفية التي قادها النظام ضد أزلامه بطريقة أو بأخرى، حيث
يمكن حصر هذه الأسباب في ثلاثة عناوين رئيسة، يتمحور العنوان الأول حول الأداء وطريقة التعامل مع الثورة (سواء أكان إيجابيا أم
سلبيا)، في حين يتمحور العنوان الثاني حول الخوف والخشية من الملفات الثقيلة التي
كان يقبض عليها من تم تصفيتهم، أما العنوان الثالث، فيتمحور حول التحولات الكبرى
التي تشهدها الثورة السورية بعد الاحتلال الإيراني لسورية.
مما
لا شكّ فيه أنّ تصفية خلية الأزمة في تموز 2012 (على الرغم من تبنّي بعض فصائل الثوار
عملية الاغتيال)، والتي راح ضحيتها أربعة
من كبار القادة الأمنيين والعسكريين، وهم آصف شوكت، هشام بختيار، داوود راجحة وحسن
تركماني، بعد الحديث عن خلافهم مع عائلة الأسد حول طريقة التعامل مع الثورة
السورية، فتحت الباب واسعاً أمام العديد من عمليات التصفية اللاحقة. وشكّلت نقطة
تحوّل مهمّة في مسيرة التآكل التي بدأت تضرب النظام من الداخل، وخاصةً بعد سلسلة
الأحداث المتسارعة على الساحات المحلية والإقليمية والدولية، والتي ولدت القناعة
لدى العديد من رموز النظام بأنّ الاستمرار في الحل العسكري لن يأتي بنتيجة، ومن
هنا كانت عمليات التصفية اللاحقة تصب في مجملها حول أداء ومواقف من تم تصفيتهم من
الثورة السورية.
تصفية
خلية الأزمة في تموز 2012 شكلت نقطة تحول مهمة في مسيرة التأكل التي بدأت تضرب
النظام من الداخل
إلا
أن ذلك لا ينفي أن الكثير من عمليات التصفية التي تمّت تحقيقاً لأهداف أخرى، لا
تقل خطورة عن الهدف الأول، ومنها عمليات التصفية الجسدية للعديد من الشخصيات
الأمنية الكبيرة التي وردت أسماؤها بقضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق
رفيق الحريري، كجامع جامع، الذي كان يشغل منصب رئيس المخابرات السورية في بيروت، والذي
تمت تصفيته بدير الزور بطلقة بالرأس، ورستم غزالي، الذي كان يشغل منصب رئيس جهاز
الأمن والاستطلاع في القوات السورية في لبنان، والذي تمت تصفيته بالجناح 405 ذائع
الصيت في مشفى الشامي بدمشق، واللواء عبد الكريم عباس، نائب رئيس فرع فلسطين
التابع للمخابرات العسكرية السورية، والذي تمت تصفيته مع ابنه بتفجير، لينضموا إلى
غازي كنعان، الذي تمت تصفيته عام 2005 بثلاث طلقات بالرأس، والذي شغل سابقاً منصب
رئيس شعبة المخابرات السورية في لبنان. وبذلك يكون النظام السوري قد صفّى أربعة
أشخاص، وهم آصف شوكت، رستم غزالي، جامع جامع وعبد الكريم، من أصل ستة أشخاص تم
استدعاؤهم من قبل المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري، ليبقى الدور على اللواء
بهجت سليمان، الذي كان يشغل منصب رئيس مكتب الأمن الداخلي في المخابرات العامة، واللواء
ظافر اليوسف، ضابط الاتصالات في المخابرات السورية. وذلك في محاولة من النظام
لتنظيف بيته الداخلي في سلسلة طويلة لإغلاق ملف قضية المتهمين من الضباط السوريين
في عملية اغتيال الحريري. هذا إلى جانب التصفية الجسدية للعديد من الضباط الأمنيين
والعسكريين، والذين جرت تصفيتهم في أحداث غامضة، منهم مسؤولون كبار في أهم الفرق
المقاتلة مع جيش النظام، كالفرقة الأولى والفرقة الثالثة والفرقة الرابعة. حيث أفادت
العديد من التسريبات أنّ النظام قام بتصفية جسدية لضباط من الحرس الجمهوري
والمخابرات الجوية، وبأوامر إيرانية مباشرة، بتاريخ 23 شباط 2013 بتهمة التحضير
لانقلاب عسكري، كتصفية العميد محمد بلال، من مرتبات الحرس الجمهوري، والعقيد غسان
ناصر، من فرع الاتصالات الجوية، ومعهما 16 ضابطاً آخرين بينهم ضابطين برتبة نقيب،
وثلاثة ضباط برتبة ملازم، والبقية برتبة مساعد ورقيب.
كما أنّ عمليات
التصفية لم تقتصر على التصفية الجسدية، وإنما امتدت لتشمل التصفية السياسيّة
للعديد من رموز النظام الأمنيين، كحافظ مخلوف، ابن
خال رئيس النظام الذي كان يتولّى أمن العاصمة دمشق وضواحيها، والذي فرّ إلى
بيلاروسيا بعد عزله، ورفيق شحادة، الذي كان يشغل منصب رئيس شعبة المخابرات
العسكرية والذي تم عزله مع رستم غزالي بعد معلومات عن شجار بينهما، إلى جانب الحديث
عن التصفية السياسية لعلي مملوك، الذي تم تداول اسمه كثيراً في قضية ميشيل سماحة والمفخخات
في لبنان.
تصفية سياسية وجسدية قام بها النظام للعديد من رموز
النظام الأمنيين
وبالتالي،
أسباب كثيرة تمحورت حولها عمليات التصفية الجسدية والسياسية داخل النظام السوري، ترافقت
مع روايات كثيرة أثارت العديد من علامات الاستفهام. وخاصةً بعد الانتصارات الميدانية
الكبيرة التي حققها الثوار على الأرض، والتي فتحت الباب واسعاً أمام الانهيار
المتتابع للنظام السوري بعد أن أضحت سيطرته لا تتعدى ربع الأراضي السورية.
فمعالم
التآكل التي تضرب النظام لم تعد بحاجة إلى أدلة وقرائن واثباتات. فعمليات التصفية
للعديد من القادة الأمنيين والعسكريين، والتي تهدف إلى إخفاء الأدلة عن أعين
التاريخ واحترازاً من أوضاع قادمة بعد
دورهم الإجرامي الذي قاموا به من أجل سحق الثورة السورية، تدل على واقعيّة انهيار
النظام بعد سلسلة الأحداث المتسارعة على الساحات المحلية والإقليمية والدولية في
محاولة من النظام للتخلص من ملفاته الثقيلة قبل لفظ أنفاسه الأخيرة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث