دمشق ـ زينة اسماعيل
تلخصت أحلام الآلاف
من السوريين في الداخل ومنذ بداية الثورة، بالحصول
على جواز سفر يأخذهم بعيداً عن مخاطر الحرب الدائرة في البلاد، وينقذ شبابهم من
تأدية الخدمة العسكرية. وراود الحلم نفسه الكثير من اللاجئين السوريين في الدول
المجاورة، علّهم يتفادون ويلات اللجوء ومشقّاته.
أصدرت حكومة النظام مؤخراً
قراراً “سمحت بموجبه لسفاراتها وبعثاتها الدبلوماسية بتجديد جوازات السفر
للسوريين المقيمين بالخارج، وبينهم عدد كبير من اللاجئين والمعارضين، من دون
مراجعة الأجهزة الأمنية في دمشق، حتى للذين غادروا البلاد بصورة غير مشروعة”.
وتضمن نص القرار “رفع
الأجور القنصلية المتعلقة بمنح الجوازات الجديدة للسوريين المقيمين في الخارج إلى
400 دولار أميركي أو ما يعادلها باليورو، و200 دولار أميركي لتجديد الجواز”. الأمر
الذي سيؤدي، حسب صحيفة الوطن المقربة من النظام، إلى “تأمين مصدر مهم للقطع
الأجنبي”، الذي تعاني البلاد من نقص حاد فيه نتيجة للنزاع المستمر منذ أكثر
من أربعة أعوام. وقد تباينت ردود أفعال السوريين حول الأمر بين متفائل ومتشائم.
السوريون في
الخارج: هل حُلّت المشكلة؟
تلخص تجربة اللاجئ السوري
“أبو زهير”، المحروم من جواز السفر، الواقع المرير الذي يعيشه العديد من
السوريين في الداخل والخارج. فقد هرب كغيره إلى تركيا من جحيم الحرب، ليجد نفسه، كما
يقول، “داخل أسوار سجن كبير”، حيث لا يستطيع التنقل ولا السفر بالطائرة،
ولا استلام حوالات مالية، ولا حتى استئجار بيت. ويؤكد “أبو زهير”،
المقيم في مدينة غازي عنتاب التركية، أنه “بسبب حرماني من جواز السفر، لا
أستطيع العمل بكرامتي، ولا حتى تسجيل أطفالي في مدرسة تليق بهم”. ويضيف لـ
“صدى الشام” أن “القرار الذي أصدره النظام السوري باستلام جوازات
السفر، يجبر اللاجئ على دفع 400 دولار، وهو مبلغ يفوق مرتبه الشهري لو كان يعمل. وإن
تأمين مبلغ يكفي لجوازات سفر عائلتي بأكملها هو أمر شبه مستحيل”.
ويشكك “سمير”، وهو
لاجئ في الأردن، بفائدة هذا القرار بالنسبة له، قائلاً: “لن يقيني هذا الجواز
من الملاحقة الأمنية. فإذا استخدمته لأعود لسورية سيلقون القبض عليّ على
الحدود”. ويتابع ساخراً: “أفضل الذهاب إلى أوروبا عن طريق التهريب بدلاً
من السفر باستخدام جواز النظام الذي سيكلفني مبالغ طائلة لا أستطيع تحملها. هذا
إذا لم ترفضني كل الدول بسببه”.
بينما يرى عصام، وهو لاجئ
أيضاً، أن هذا القرار “مفيد للسوريين في الخارج”. كما أنه “يساهم
في تراجع الكثير من مخاوف الذين غادروا سوريا بطريقة غير شرعية، ويسهل عودتهم إلى
البلاد”.
جوزات الائتلاف
من جهته كان الائتلاف قد وعد
السوريين بإصدار جوازات سفر جديدة للمحرومين منها، سيكون معترفاً بها في جميع
المنافذ في مختلف دول العالم، دون أن يعطي المزيد من التفاصيل. لكنه أشار إلى
اتفاق مع الدول الأوروبية بشأن الاعتراف بتلك الجوازات. أمرٌ رأى البعض أنه مبالغ
فيه، حيث تساءلت “ياسمين”، وهي سورية تعيش في لبنان: “كيف ستعترف
الدول بالجوازات التي ستصدر عن الائتلاف وهي لم تعترف بالائتلاف أصلاً؟!”.
ويشار إلى أن
هنالك ما لا يقل عن مليونين ونصف المليون لاجئ في الخارج، حسب تقارير الأمم
المتحدة، ليس لديهم أية وثيقة رسمية سورية. ويعيشون ببطاقات لجوء تمنحها البلدان
المستضيفة. وهم يعانون الكثير من الصعوبات بسبب ذلك.
سوريّي الداخل
تشهد سورية، ودمشق خاصة،
ازدياداً كبيراً على طلبات جوازات السفر، حيث يحاول كثير من الشباب مغادرة البلاد
بأي طريقة، تفادياً للالتحاق بالجيش. وذكرت إدارة
الهجرة والجوازات أن “عدد طلبات الحصول على جوازات سفر في دمشق وحدها بلغ نحو
ألف طلب يومياً، منهم 400 طلب من الشباب بين سن 18 و30 عاماً، أي في سن الخدمة
الإلزامية في الجيش”. وهذا ما يؤكده “عامر”، الذي يقف كل
يوم في طابور طويل أمام دائرة الهجرة والجوازات. يقول عامر: “لقد انتظرت
أسبوعاً كاملاً فقط لأحصل على موعد استصدار الجواز. عدا عن ذلك، اضطررت إلى دفع
ستة أضعاف المبلغ المطلوب كرشاوى للعاملين هناك. ناهيك عن المعاملة السيئة التي
يلقاها المواطنون من قبلهم”. ويضيف عامر: “بعد أن كانت الرشوة خياراً
يسرع المعاملات، أصبحت اليوم فرضاً على الجميع بسبب الأساليب القذرة التي يتبعها
موظفو الدائرة، مستغلين حاجة المواطنين الملحة”.
وعندما سُئل محمد، وهو أحد
المواطنين الذين يقفون في طابور الدائرة، عن رأيه بقرارات الحكومة الأخيرة، قال:
“إن هذه القرارات قد تفيد بعض من هم في الخارج. أما نحن الذين نواجه الموت كل
يوم فآخر همّ الحكومة”. ويتساءل محمد: “أي قرار يحمينا من الذل الذي
نتعرض له هنا كل يوم؟ وأي قرار يحمينا من الفساد والاستغلال؟”.
رغم أن جواز
السفر السوري حلّ في المركز 176 عالمياً و16 عربياً، مما يدل على مدى تعرّض حامله
للقيود في حال تنقله بين الدول، إلا أنه لا يزال يتصدر أولويات الكثير من السوريين
الذين يرون فيه أملاً بالحياة بسلام وكرامة في مكان ما من هذه الأرض.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث