الرئيسية / رأي / حلب…

حلب…

ثائر الزعزوع/

يحدث في بلد أوروبي ما، أن تقابل كهلاً أوروبياً أمضى حياته متجولاً في بقاع الأرض يبحث عن الجمال، وحين يسألك من أين أنت وتخبره أنك من سوريا، سيطرق قليلاً ويلتفت إليك بحزن ليظهر تعاطفه معك؛ مع سوريا التي يذبحها القتلة كل يوم. ثم تلتمع عيناه فجأة ويقول لك بفرح: أنا أعرف حلب.. وكأن قدر حلب أن يعرفها الجميع ولا تعرف أحداً، قدرها أن يسعى إليها العالم كله ولا تسعى إلا إلى نفسها… لأنها حلب.

ولو أحصينا عدد المرات التي قام فيها الناشطون والإعلاميون بتنظيم حملات إعلامية لمساندة حلب، وعدد المرات التي تحدث فيها مسؤولون عرب وعالميون عن حلب، وعن المأساة التي تعيشها حلب لعجزنا حقيقة عن الإحصاء. فمنذ قرابة الأربع سنوات تتصدر حلب مشهد المأساة بجدارة كونها واحدة من المدن الأكثر اكتظاظاً بالسكان، ولطالما اعتبرت عاصمة الشمال بيضة القبان القادرة على ترجيح كفّة هذا الطرف على ذاك، وقد انقسمت المدينة إلى مدينتين منذ أكثر من ثلاث سنوات وباتت شرقية وغربية تفصل بينها حواجز، دمر معظمها، وفر ثلاثة أرباع أهلها. قيل لم يبق فيها حجر على حجر، وقيل لم يبق فيها بشر، لكنها استطاعت الصمود، استطاعت كل مرة أن تدهشنا بالعودة. تحولت حلب إلى ورقة يعبث بها العابثون سواء أكانوا حلفاء للثورة أم أعداء لها، استعملوها في مؤتمراتهم الصحفية وفي كذبهم باسم سوريا وعليها، قالوا علناً: انقذوا حلب. وقالوا وهم يتبادلون الأنخاب سراً: غريب أمر هذه الـ”حلب” كأنها قدت من صوان لا تتحطم، بل يتحطم أمامها الجميع…

في بداية الثورة، تأخرت حلب قليلاً عن اللحاق بركب المدن الثائرة، وقد لامها كثيراً أبناء الثورة، واعتبروها متخاذلة لأنهم كانوا يعولون عليها كثيراً. قالوا لا ثورة إن لم تكن حلب عمودها الفقري، وحنجرتها، وهل ثمة أغنية سورية لولا حلب. وحين التحقت حلب بالثورة جاءت بكامل أناقتها وسحرها، مدينة أكبر من كل المدن وأعرق من كل المدن، وصاحت بصوت واحد غاضب حر: وهاي حلب ها ها…

لم يتمالك النظام نفسه وهو يرى حلب تفلت من بين يديه، وقد حاول مراراً استعادة السيطرة عليها لكن دون جدوى؛ ظلت عصية عليه، وظلت عصية على الفهم، فهي مدينة لا يستطيع أحد أن يدعي أنه قدم لها شيئاً، هي التي قدمت للجميع، وأعطت الجميع وعلمت الجميع، هي أم الأغنيات وهي ملاذ المتنبي…

واليوم وهي تبدو مثقلة بالحزن، أرهقها الحصار حتى ناءت تحت ثقله، والعدو يعد العدة لإحراقها وتدمير ما تبقى منه كي يعيدها إلى بيت الطاعة كما أعاد سواها من المدن الثائرة، هو أو حليفه تنظيم داعش، فكلاهما يعملان على قتل الثورة والحرية، كلاهما يعملان على إعادة السوريين إلى الحظيرة.

أحرقوا أسواقها وظلت واقفة… دمروا مآذنها وظلت مبتهلة، خنقوها وظلت قادرة على الغناء، فمن مثلها حلب؟

اجتمع كل شذاذ الآفاق على أبوابها وانتصرت عليهم. دخلها الغزاة وغادروها خائبين، تعلموا منها ولم يعلموها شيئاً، فهي أكبر من معارفهم. والآن، تحاصرها الميلشيات الطائفية الحاقدة على درة الشرق ليأسروا ضحكتها وتآلفها، حلب المسلمة المسيحية الأرمنية العربية الكردية، حلب البابلية الحيثية الآرامية المقدونية الأموية الأيوبية العثمانية، التي تنحني أمامها المدن، والتي ستبقى درة المدن.

لو قرأ الغزاة تاريخها لما تقدموا خطوة واحدة، فهي تعتبر واحدة من أقدم المدن المأهولة بالسكان على وجه الأرض، عمرها أقدم من عمر التاريخ، وقد مرت عليها دول وحضارات، دمرت مرات وعادت دائماً كما كانت وأجمل، منذ عهد نارام سين البابلي الذي كان يريد اخضاعها مروراً بالحيثيين، وصولاً إلى عصابة آل الأسد، فقد حاصروها في ثمانينات القرن الماضي، شأنها شأن مدن أخرى، لكن أياً منهم لم يستطع أن يحول حلب إلى شيء آخر، بقيت حلب الشهباء، بيضاء نقية…

قد يغير الناشطون قريباً صورهم الشخصية على صفحات التواصل الاجتماعي، قبل أشهر وضعوا لوحة حمراء لأن الطاغية كان يذبح حلب، ووضعوا ناراً لأن الطاغية كان يحرق حلب، فلا هو ذبحها ولا هو حرقها. تتعب ربما، تشكو ربما، لكنها أبداً لا تسقط. هذا قدر المدن العظيمة، هذا قدر المدن القادرة على النهوض دائماً، فهي تعين سواها، ولا تستعين بأحد…

فمن مثلها حلب…

كتبت لها الكتب

صعدت لنيل بهائها

الأقمار والشهب…

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *