عبد
القادر عبد اللي
صحيح
أن البعض استفاد من الثورة السورية، وحقق دخلاً مادياً كبيراً، وانتقلت حياته من
الصفر أو تحت الصفر إلى الدرجات العالية التي إذا أردنا أن ننظر إليها ستنقرف رقابنا
لعلوها، ولكن الغالبية المطلقة من السوريين هم أولئك الذين يعملون بقوت يومهم إن
وجدوا عملاً، ولا يجدونه في أكثر الأحيان. ففي تركيا أصبح صوت التذمر من السوريين
صارخاً وأداة للدعاية الانتخابية التي ستشهدها تركيا بعد ثلاثة أشهر، فالسوريون
يضطرون للعمل بنصف أجر المواطن التركي، وإذا حسبنا التأمينات الاجتماعية والصحية
التي تُدفع للعامل التركي، ولا تُدفع لنظيره السوري لوجدنا أن السوري يعمل بثلث
أجر بالنسبة إلى رب العمل. لأن هذه التأمينات بالنسبة للحد الأدنى من الأجور الذي
يفوق الألف ومائتي ليرة تركية يصل إلى ثلاثمائة ليرة للعامل التركي، وإذا كان
متوسط الأجور ألفي ليرة، فإن هذه التأمينات تصل إلى خمسمائة ليرة تركية.
مع
الأسف أن السوريين وبعض العرب من الإخوان المسلمين يقدمون نشرات مالية حول تركيا
أشبه بالنكتة، ويرددونها بشكل ببغائي، فيقولون إن الحكومة الحالية رفعت من قيمة الليرة
التركية ستة وثلاثين ضعفاً!! علماً أن الليرة التركية لم تحقق أي ارتفاع في
تاريخها كله، ولندع الارتفاع، فهي لم تثبت في أي سنة من السنين على مستواها،
والأطرف من هذا أن من ينتقد هذه النشرات الخلبية يعتبر شبيحاً أسدياً في خدمة
الصفوية والصهيونية، هو سبب تأخير انتصار الشعب السوري.
عندما
اندلعت الثورة السورية، وقبل تحولها إلى حرب وأزمة إقليمية كان سعر الدولار في
تركيا يساوي 1,6 ليرة تركية، وها هو اليوم يقفز فوق 2,6 بعد أربع سنوات. لابد من
الاعتراف أن الفرق الأخير هذا الذي بدأ بعد تجاوز حد الليرتين مقابل الدولار هو
ارتفاع للدولار وليس تدهوراً لليرة التركية،ولا دخل للسياسة الاقتصادية التركية
فيها إلا من باب أنها لم تتخذ الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب، فاليورو أيضاً
وصل إلى مستويات متدنية جداً قاربت 1,1 في انخفاض زاد عن خمسة وعشرين بالمائة
مقابل الدولار. وهذا الوضع الاقتصادي انعكس على الأسواق سلباً، فقد شهدت الأسعار
في تركيا ارتفاعاً كبيراً جداً، وصل في بعض السلع الأساسية (الخضار والفواكه
واللحوم) إلى الضعف أحياناً.
ارتفاع
الدولار والأسعار في تركيا أثر بقوة على المواطن التركي، وبدأت هذه القضية تستخدم
في السياسة الداخلية، ويحاول بعض تابعي الولي الفقيه ربط أزمة المواطن التركي
بوجود السوري في تركيا، خاصة أن تركيا على أبواب انتخابات عامة، ستكون الرابعة في
ترتيب الانتخابات العامة منذ عام 2002، والعاشرة بين مجمل الانتخابات التي أجريت
في تركيا منذ ذلك التاريخ، وقد فاز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التسع
الماضية كلها والتي تُوجت بالانتخاب الشعبي المباشر لرئيس الجمهورية. المعروف أن
بقاء الحزب مدة طويلة في الحكم يضعفه، ولكن حزب العدالة والتنمية ولأسباب مختلفة
أهمها عدم وجود معارضة قوية متماسكة جعله يحقق هذا الفوز التاريخي. فهل تكون هذه
فرصة المعارضة التركية من أجل تعويض خسائرها السابقة على الأقل؟
الانقسام
السياسي الإقليمي حاد جداً على كل الأصعدة، وليس هناك حل وسط، فمن ينتقد السيسي أو
الأسد أو الإمام الفقيه فهو أردوغاني حمدي أخواني داعشي حتى
لو كان ملحداً، ومن ينتقد أي سياسة تركية أو أوربية فهو شبيح أسدي، وبلطجي سيسي.
وهناك تجليات كثيرة لهذا الانقسام، منها الفرق باستخدام الاصطلاحات أيضاً، فارتفاع
الدولار بالنسبة إلى “دول الممانعة” -والتي يجب تسميتها “دول
المبايعة للإمام الفقيه”- تسمي الحالة في تقاريرها الإخبارية “تدهوراً
لليرة التركية”على الرغم من ارتفاع الدولار أمام معظم عملات العالم. طبعاً
التومان الإيراني جبل ما شاء الله عليه، والجنيه المصري محروس بالعناية الإلهية
كالمحروسة، ولندع الدينار العراقي جانباً فهذا بينه وبين آل البيت قرابة، والمس به
من المحرمات، فالليرة التركية هي الوحيدة التي انهارت، وسبب انهيارها طبعاً حكم
الإخوان المسلمين في تركيا!!!
وبينما
تخوض نشرات الأخبار هذا الصراع الطافح بالجهل والعنجهية في كل شيء وصولاً إلى
المصطلحات، هناك مواطن سوري لاجئ في تركيا أو (ضيف) لا يجد عملاً يؤمن له قوت يومه،
وهو وقود هذه المعركة بالمصطلحات والمواقف والاتهامات. فارتفاع الدولار وانخفاض الليرة
التركية (معاً) وصل إلى تسعين بالمائة خلال السنوات الأربع من عمر الثورة السورية
وأزمتها -أو على الأصح من عمر اللجوء- وأجره بتناقص رقمي لأن التنافس يزداد،
وينازعه على بضع قروشه ابن بلده، وارتفاع أسعار كثير من السلع الأساسية إلى الضعف
يعني أن من كان يجد قوت يومه من السوريين بات يجد نصف هذا القوت.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث