أحمد العربي
انشغل هواة المسابقات والاختبارات على شبكة الإنترنت
الأسبوع الفائت بمسابقة غريبة من نوعها، لكنها انتشرت انتشار النار في الهشيم بين
مستخدمي الإنترنت في العالم. كانت المسابقة هي عبارة عن صورة لثوب نسائي يُطلب
تحديد ألوانه، حيث انقسم مشاهدو الثوب بين من يراه “أبيض وذهبي” ومن
يراه “أزرق وأسود”.
القصة بدأت في عرس بإحدى قرى اسكتلندا، حيث كانت
والدة العروس ترتدي هذا الثوب. وبعد أن أرسلت الأم لابنتهاصور العرس، اختلف
الأصدقاء حول لون الثوب، وقاموا بعدها بنشرها على إحدى صفحات موقع التدوين “تمبلر”
لتبدأ بعدها واحدة من أكثر الظواهر انتشاراً على الشبكات الاجتماعية.
تلك الضجة التي أحدثها لون الثوب على الشبكة، دفع
بعض المواقع لاستشارة علماء مختصين حول سبب اختلاف رؤية الأشخاص للون الثوب، فكان الجوابأن العين البشرية مهيئة للرؤية في وضح النهار، ولكن النهار يتغير لونه من الشفق
الأحمر الزهري عند الفجر، إلى الأزرق الأبيض عند الظهيرة، ومن ثم يعود للأحمر عند
الغروب. لذا يقوم النظام البصري بخصم التحيز اللوني خلال النهار. فبعض الناس
يقومون بذلك من خلال تحييد الأزرق فيشاهدون الأبيض والذهبي، والبعض يحيدون الذهبي فيشاهدون
الثوب بالأزرق والأسود.
كما لاحظ بعض خبراء البصريات أن الخلفية خلف الثوب
تلعب دوراً في كيفية رؤيتك للألوان، فلو جربنا طباعة الصورة، وقص جزء صغير من الثوب،
قد نشاهد اللون في المنتصف أزرق سماوياً بين الأزرق والذهبي. وحين قام موقع
“بزفيد” باستبيانٍ لقرّائه لسؤالهم عن اللون الذي يروه، فكانت الأغلبية (78%) ترى
الذهبي والأبيض، بينما البقية (28%) رأته أزرق وأسود. فما هو الجواب الصحيح؟ الثوب
أزرق وأسود. وهذا ما أكدته الشركة البريطانية المنتجة للثوب، والتي أعلنت عزمها
على إنتاجه باللون الأبيض والذهبي بعد الضجة التي أثيرت حوله.
من اعتقد أن هذه القصة لا تحمل أي مضامين عميقة فقد
أخطأ، فكم هي عظيمة اللغة العربية، حين ميز علم النحو بين نوعين من الرؤية وهي
“الرؤية البصرية” التي رأى بها من رأى الثوب بالأبيض والذهبي،.
و”الرؤية القلبية”، التي تنحي العين جانباً في معرفة حقيقة الأشياء فتصل
إلى اليقين، لذا فقد ميزت عن البصرية حتى إعرابياً، فهي تنصب مفعولين هما مبتدأ
وخبر، أي بمعنى آخر القصة كاملة.
لقد أثبتت قصة ذلك الفستان أنه لا يوجد حقيقة مؤكدة
في هذا العالم، فما نعتقد أنه حقيقة ما هو إلا ما تصوره لنا أعيننا حتى لو كان
خاطئاً. فمن رأوا الثوب بغير لونه الحقيقي كانوا أغلبية ساحقة وكانوا مؤمنين بأنهم
على حق.
فبعد تلك الحادثة، كم من حقيقة تمثل في حياتنا قناعة
راسخة يجب مراجعتها، ومحاولة الإحاطة بها ليس باستخدام الحواس فقط، بل باستخدام
القلب. فليس كل محسوس حقيقياً. خصوصاً ونحن اليوم نعيش عصر الصورة، الذي يتيح لمن
يصنع تلك الصورة أن يتحكم بما نؤمن به من حقائق فيزيّن لنا أمراً ويشوه سواه.
فلو كانت الحواس فقط تنبئ بالحقيقة، لما كان الله
موجوداً، من حيث أنه غير مدرك. فسبحان من لا تدركه الأبصار لكمال ذاته، ويدرك هو
الأبصار لإحاطة صفاته، وهو السميع البصير.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث