الرئيسية / Uncategorized / التدعيش الثقافي

التدعيش الثقافي

محمد طلعت حمدي

تتكاثر الشللية في الوسط الثقافي العربي، لدرجة الظاهرة التي يجب الوقوف عندها
وتأملها بعناية، مما أفسد الضمير الثقافي الحر النابع من الموقف الوجودي للإنسان المرتكز
على القيم والمبادئ والأخلاق، وجعله تابعا ذليلا رهن إشارة المحسوبية وزعيم الشلة سواء
كان رئيس البلاد أو وزير الثقافة أو مديري الجهات الثقافية.. أو بمعنى أدق حسب توصيف
وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني “الحظيرة الثقافية”!

وهي نفس الحظيرة التي فتحت أبوابها
ولمت كل مثقفي المقاهي العربية، ومنحتهم المناصب والإدارات والجوائز. حيث نشأ وترعرع
بعض الجيل الحالي وتسيد الآفاق الثقافية في ربوع الوطن العربي الكبير. فثمة ملامح تقربهم
إلى جماعة داعش الإرهابية فكراً ومنهجاً، حيث الأصولية المتطرفة في الوصول وركوب الموجة
الرائجة، فضلا على تدعيش هذا النهج وفرضه على كل من في الوسط تحت بند “يا إما
معنا يا ضدنا”. ويشجع المتثيقف المخضرم جيل الصغار الانضمام إلى جماعة الدواعش
المتثيقفة العربية.

وعلى نفس الوتيرة، يحلو لبعض بهاليل السلطة الثقافية في بلادنا تنظيم الندوات
وإقامة المؤتمرات والمعارض تحت عناوين براقة لجذب عادة ذباب الوسط الثقافي من قبل النخبة
المعطوبة والفقاقيع الجدد الذين أثبتوا ضحالة ما يطرحونه مرة تلو الأخرى، ويشبه حضورهم
في ناديهم كمثل الأكيلة المفجوعين على موائد اللئام.

لم تخل أي عاصمة أو مدينة عربية من هذا الوباء المدعي، حيث التهبيش والتكويش
والتسييس والمجاملات في ترشيح الأصحاب والشلة، وخاصة تاء التأنيث الممحونة ثقافياً،
فضلا عن العزومات والمصاريف والإقامات والفسح.. أمر وصل إلى حد تفسيخ الروح الثقافية
في بلادنا بسبب هذا البلاء.. وأمرض ما في الأمر أن أغلب هؤلاء لا صلة لهم لا بالثقافة
ولا بالتنوير ولا بأي فرع من فروع العناوين البراقة التي يتصدرون منصاتها بالحكي والحك
والتقريع والثرثرة في المطلق، ناهيك عن التنطيط الأجوف كما المثل القائل “البرميل
الفارغ أكثر ضجيجا”!

ويشهد على ذلك جملة معارض الكتاب الدولية المقامة على أراضينا العربية، والكثير
من المؤتمرات الثقافية السنوية التي عادة (للأسف) تنتهي بقصص التحرش الجنسية، طبقا
لروايات أشاوس المثقفين، التي بالقطع أغلبها بهتان وافتراء، مما يعكس مدى الخلل الثقافي
اللامس على النفسي، أهي ثمة ثقافة لا تخلو من البورنو السردي المختلق..؟!

وعلى الرغم من تعدد توجهات سدنة المثقفين الإيديولوجية والجنسية ينبطحون أمام
المصطلح العبقري المصري المشهور بـ “السبوبة” حيث البيع والشراء لكل قيمة
ومبدأ ثقافي في سبيل المصلحة وتكرار الدعوة والعزومة.. مع ظهورهم الماسخ على الشاشات
بأي رغي، وطبع المزيد من كتبهم على نفقة الدولة أو الهيئة الراعية للعلوم والآداب والثقافة!

وبلا شك أن الثقافة التنويرية حلقة مفقودة ومغيبة وسط أولئك الأنفار الذين
وهبوا نفاقهم الفكري لعواصم الملح بعد أن توجوها بمدن الثقافة العربية خاصة بعد غياب…
أو نقولها صراحة طمس بغداد ودمشق وبيروت والقاهرة، عواصم التحضر الثقافي المشهود لها
في المشرق العربي بالعمق الحضاري عبر تاريخ أجيالها العظام الذين أثروا في الحركة التنويرية
العامة للوطن العربي من خليجه لمحيطه. فمن يتحدث الآن منهم عن وجع هذه العواصم المنهارة؟!

والحق أقول لن تقام لنا ثقافة إلا بعد أن يبتعد عنها كل هؤلاء المدعين.

كاتب
وناقد مصري

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *