ثائر الزعزوع _ صدى الشام/
حين تقع أي حادثة، مهما كانت تافهة أو كبيرة، ينقسم الشارع بطريقة مخيفة كل إلى جهة ما بين مؤيد ومعارض، وهنا أتحدث فقط عن شارع الثوة، والذي يمثله نظرياً عشرات الناشطين على صفحات التواصل الاجتماعي، أو بعض الوجوه الإعلامية من ضيوف القنوات الفضائية. وقد شهدنا خلال الفترة الماضية انقسامين حادين مع اختلاف شكلهما ومضمونهما، الانقسام الأول حدث إبان تسريب صور قيل إنها للسيدة سهير الأتاسي عضو الائتلاف الوطني، وإحدى الشخصيات السورية المعروفة، وقد ارتفعت حدة التوتر بين الفريقين لدرجة بدأ البعض يتهم الآخر بالخيانة، وبالعمالة وببيع الثورة وإلى ما هنالك من اتهامات باتت جاهزة وموضوعة على الرف وصالحة لكل زمان ومكان. وقد رصدتُ ملامح تعصب، أسمح لنفسي بأن أقول إنها مخيفة لدى البعض حين اعتبر أن كل من يدافع عن “حرية” سهير أتاسي إنما هو مرتد عن دين الله وخائن لدماء الشهداء، وكتب أحدهم بحدة وكراهية: “هؤلاء جراثيم العلمانية الذين يريدون تدمير مجتمعنا”.
وكأنه قد بقي في مجتمعنا شيء لم يتم تدميره أصلاً. الطرف الآخر أي المدافع عن حرية السيدة سهير الشخصية لم يخل أيضاً من الحدة فكتب بعضهم بأن أولئك الذين ينتقدونها إنما يسيرون على خطى النظام في انتهاك حرية الإنسان وكرامته، وصولاً إلى سجال استمر أياماً، ثم ما لبث أن خفت، ليظهر بعده سجال آخر وهذه المرة كان أكثر حدة وتصلباً فهو بتعلق بحادثة قيام حركة نور الدين الزنكي بذبح أحدهم و قطع رأسه، وقد قيل في الساعات الأولى لعرض مقطع الفيديو إنه طفل يبلغ الثانية عشرة من عمره، وإنه فلسطيني وقد تم تجنيده ليقاتل ضمن قوات النظام، ولعل هذا ما زاد حدة السجال الذي تحول إلى صراع لفظي، لم يخل مثل سابقه من اتهامات متبادلة، ما بين فريقين يريد كل منهما التفوق على الآخر. وقد هلل الطرف الذي أيد عملية الذبح حين ظهرت معلومات تؤكد أن “الذبيح” ليس طفلاً وليس فلسطينياً بل إنه شاب في التاسعة عشرة من عمره وهو سوري من قرى حمص ومتطوع بصفة رامي بي كي سي، وقد تلقفوا تلك الصور معلقين عليها بالقول هذه “للإنسانيين الذين تباكوا عليه، ولم يؤثر بهم مقتل آلاف الأطفال على أيدي قوات النظام” مع أن الطرفين متفقان في معاداة النظام وفي كشف جرائمه ومحاربته بكافة الوسائل المتاحة، إلا أن الاختلاف كان حول أن يلجأ أحد التنظيمات الثورية إلى انتهاج أساليب وحشية لا تقل بشاعة عما يفعله النظام وتنظيم داعش، وهو بسلوكه ذلك يتساوى معهما من حيث “السقوط الأخلاقي” أي لحظة أن تتحول الضحية إلى جلاد وتحاكي تصرفات جلادها. ولعلي أسمح لنفسي هنا بالاستطراد قليلاً للحديث عن فكرة الثورة بحد ذاتها، وهي فكرة جلب العدالة والحرية المفقودتين والمسروقتين، فهل يمكن أن يتم جلبهما بتحول الضحية إلى جلاد لا يقل وحشية عن جلاده؟ صحيح أن العالم كله يتآمر على الثورة ويريد القضاء عليها، لكن هل نبرر فعلاً أن تتآمر الثورة على نفسها؟ وأن تصبح هي نفسها عبئاً ثقيلاً تخجلنا في بعض تفاصيلها وتجعلنا نقول عن حوادث ما إنها “أخطاء فردية” كما قالت حركة نور الدين الزنكي في تبريرها للحادثة، بدل أن نحملها وساماً ناصعاً نعلقه على صدورنا؟
أعتقد أن ميلنا إلى التعصب لفكرة، مهما تكن تلك الفكرة خاطئة، يقودنا بالضرورة لتبنيها، وسيجعلنا ذلك التعصب ننجرف أكثر في كل مرة حتى نجد أنفسنا غارقين في جملة لا تنتهي من التبريرات والأخطاء الكارثية. وسيقودنا أيضاً لمزاولة لعبة الإنكار وخداع الذات في كل مرة، بتجميل الخطأ واعتباره ضرورياً أمام قسوة الواقع الذي يعيشه الناس، وأميل إلى تصديق بل وتبني فكرة أن أم أحد الشهداء الذين سقطوا برصاص ذلك “الذبيح” ما كانت ستقبل بأن يذبح قاتل ولدها بتلك الطريقة المنافية لكل القيم الأخلاقية والإنسانية، وقد تقول مثلما قالت نساء كثيرات وعظيمات: حسبنا الله ونعم الوكيل.
دعوني أرجع إلى الخطأ الذي قيل إنه فردي، لا لشيء إلا لتفكيك المشهد بعيداً عن التعصب الذي شاب الحادثة منذ بدايتها، مجموعة المقاتلين التي كانت تحيط بالذبيح كانت تتجاوز خمسة أي أن الحادثة جماعية وليست فردية هذا أولاً، ثانياً حالة التهليل والشعور بالانتصار على شخص صغير البنية بسبب إصابته بمرض التلاسيميا هي حالة مرضية بلا شك، وهي تقترب كثيراً من تصرفات تنظيم داعش حين يقوم بإعدام أحد ضحاياه، وهذا يعني أن حركة محسوبة على الثورة بات جزء منها يشكل خطراً على الثورة بأكملها، وينبغي اجتثاثه منعاً لتكرار مثل تلك الحادثة، ثم لماذا قام أولئك القتلة بتصوير عمليتهم بتلك الطريقة الاستعراضية الرخيصة وما هي الرسالة التي كانوا يريدون إيصالها؟
التعصب للثورة من حيث هي قيمة عليا أمر مختلف تماماً عن التعصب لأخطائها، إذ لا ثورة بلا أخطاء… وبطبيعة الحال فإن التعصب لفكرة الحق أمر مختلف تماماً عن التعصب لمجرد التعصب إذ لا يمكن للتعصب وحده أن يكون فكرة، كما يفعل الكثيرون…فهم يتعصبون لمجرد التعصب، وهذا بحد ذاته كارثة يلزمنا سنوات كي نشفى منها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث