محمود الوهب _ صدى الشام/
بداية، لا بد في وقتنا هذا من إدانة أيّ انقلاب عسكري، وفي أيِّ بلد كان، ومهما كانت الذرائع، فالتجارب أثبتت أنَّ العسكر لم ينجحوا أبداً في سياسات الإنماء والإعمار، دون إلحاق الأذى بالقيم الاجتماعية والإنسانية، وتعطيل منابع العمل السياسي الاجتماعي أو تشويهه على أقل تقدير!
فما هو بديهي أنَّ جوهر البناء والتنمية إنما يرتكز على المزيد من الحرية والديمقراطية، وهاتان الميزتان السياسيتان مفقودتان، كما هو معروف، في ميادين العسكرة ولدى العساكر عموماً، إذ هما سمتان مدنيتان معاصرتان تلازمان البلدان المزدهرة على الصعيد الاقتصادي نمواً واستقلالاً. بينما تنتمي الانقلابات العسكرية وتنتعش في البلدان المتخلفة، ولدى الشعوب التي ينتمي تفكيرها إلى العهود الإقطاعية وما قبلها، ولا بد من وجود حكم متعثر ومعزول اجتماعياً.
ويمكن إضافة مسألة أخرى مهمة جداً، هي أن الانقلابات العسكرية غالباً ما تقف خلفها دول عظمى بغية إزالة نظام ما يقف حجر عثرة أمام مصالح محددة لهذه الدولة العظمى، أو تلك التي تتنافى مصالحها مع مصلحة الشعب المعني؛ انقلاب غريب عن الوسط والبيئة.
مما تقدم يمكننا القول: إن من أهم أسباب فشل الانقلاب أنه جاء غريباً، على غير صعيد، غريباً في وسطه وبيئته المغايرة تماماً له! إذ إن تركيا تجاوزت منذ زمن موضوعة الانقلابات. أي إنها، ومنذ أن انتقلت انتقالاً عميقاً وشاملاً في الميدان الاقتصادي الحر المتحرر من قيود أساسية كثيرة والاقتصاد المتعدد الفروع، والدولة التركية تعمل على تكوين رؤية سياسية جديدة في ذهنية الشعب التركي، وقد نجحت إلى حد بعيد، إذ عكست ذلك صناديق الاقتراع أكثر من مرة، وأكدتها التعددية السياسية الحزبية العميقة. ويدرك الشعب التركي اليوم أهمية الدولة القائمة على المؤسسات في استقرار عيشه ونموه وأمنه. يعني أن الوضع الاقتصادي النامي بوتائر مدهشة قد ساهم في بناء عقلية جماعية جديدة؛ عقلية مدنية تتنافى مع عقلية الفرد المستبد الملازمة لعقلية العسكر!
تركيا دولة مستهدفة. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فمن أين جاء الانقلاب؟! ولماذا؟! في الجواب أقول: إن تركيا من أكثر الدول في منطقة الشرق الأوسط استهدافاً كدولة إقليمية لها تأثير كبير على جاراتها، وقد استطاعت بالفعل، خلال العقدين الماضيين، أن تتجاوز عتبة التخلف على أسس معاصرة، وهي اليوم قادرة على تقديم العون والمساعدة لدول المنطقة، متجاوزة بذلك دولة إسرائيل الحالمة أبداً، ومنذ تأسيسها، بسيادتها السياسية والاقتصادية على المنطقة، وهي الدولة الأكثر تطوراً، على غير صعيد. لكنها، ولأسباب تتعلق بغربتها عن المنطقة وعدوانيتها المستمرة على الشعب الفلسطيني وتجاه جيرانها العرب، غير مقبولة في المنطقة. ومتجاوزة أيضاً، أعني تركيا، دولة إيران التي انشغلت في ظل حكم ولاية الفقيه، على نحو أو آخر، بالتمدد في المنطقة مستغلة المسلمين الشيعة ومن جاورهم في الرؤية، كأذرع سياسية، وفي أحيان كثيرة عسكرية متقدمة لتمتين وجودها ونفوذها في دول الجوار الكثير.
بينما نأت تركيا بنفسها عن هذه الأمور والتفتت إلى إنشاء علاقات طبيعية. وقد نجحت بذلك نجاحاً ملحوظاً إذ استطاعت أن تقيم علاقات، على غير صعيد، مع الكثير من البلدان العربية، ومن ضمنها مصر واليمن وليبيا والسعودية، ولكنَّ الأهم علاقتها مع سورية التي نمت نمواً ملحوظاً استوجب معه حذراً إسرائيلياً، إن لم أقل قلقاً، قبل العام 2011، إذ وصلت العلاقات الاقتصادية السورية-التركية إلى مستوى متقدم جداً، وأفق مفتوح، سواء في مجال مشاريع القطاع العام، حيث نفذت الشركات التركية أكثر من مشروع اقتصادي بنجاح تفوَّق على مشاريع نفذتها دول أخرى كإيران ذات النفوذ الأكبر في سورية، ناهيكم عن الاستثمارات التركية الخاصة متعددة الأشكال، والتي كانت سورية تفتقر إليها، إضافة إلى الشراكات الاقتصادية المتنوعة التي نشأت بين العديد من رجال الأعمال السوريين ونظرائهم الأتراك.
وقد انعكس هذا الأمر على الجانب السياسي الأهم، وهو العلاقة مع إسرائيل، وإن بحدود ضئيلة جداً. وأشير هنا إلى حادثة سفينة الحرية “مرمرة” التي صدَّعت، على نحو أو آخر، الجدار الكتيم للعلاقات التركية الإسرائيلية على مدى خمسة عقود ونيف، ثم إن وقوف الحكومة التركية إلى جانب الشعب السوري المستهدف إسرائيلياً، بعد أن فشلت محاولاتها الجدية مع النظام السوري في إيجاد حل سلمي يصلح ما بين الشعب السوري وحاكمه، إلا أن الأمور سارت في اتجاه آخر ووفق ضغوط دولية وإقليمية أخرى. عندئذ فتحت تركيا حدودها أمام قرابة ثلاثة ملايين إنسان هربوا من جحيم الاعتقال والبراميل المتفجرة والخراب الشامل.
إنَّ فشل الانقلاب يعني استمرار تقدم تركيا في نموِّها السياسي الديمقراطي، وكذلك في نموِّها الاقتصادي، وهذا ما أكده الشعب التركي بأحزابه كافة التي ملأت شوارع المدن التركية الكبرى
إن هذه الأمور كلها لا يمكن السماح بها إطلاقاً لا أوربياً/أمريكياً ولا إسرائيلياً، وبخاصة أن صورة تركيا العثمانية لا تزال تعيش في ذواكرهم، ما يتناقض كلياً مع طموحاتهم، ونفوذهم. ولعلَّ ما ورد في كتاب شمعون بيريز الذي صدر في تسعينيات القرن الماضي تحت عنوان “الشرق الأوسط الجديد”، يؤكد هذا الأمر.. وما ردود الأفعال في تلك الدول على الانقلاب العسكري التركي، في حذرها ولغتها المواربة، إلا تأكيد لهذا الأمر.
كلمة أخيرة: إنَّ فشل الانقلاب يعني استمرار تقدم تركيا في نموِّها السياسي الديمقراطي، وكذلك في نموِّها الاقتصادي، وهذا ما أكده الشعب التركي بأحزابه كافة التي ملأت شوارع المدن التركية الكبرى.. ولكن هل تراجع خطر الانقلابيين كلياً؟!
لا أعتقد ذلك.. فقد يعود الخطر بأشكال أخرى؛ أشكال قد تفسح المجال لألوان من المشكلات الاقتصادية التي بدأت بوادرها مع ارتفاع سعر الدولار نحو 10-12% بالنسبة لليرة التركية، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على حياة الناس! أمَّا الأمر الآخر فهو محاولة ربط هزيمة الانقلابيين بهذا الحزب أو ذاك، وإهمال دور الشعب وأحزابه كافة، أو معظمها. لكن نتائج الانقلاب السلبية ستزول حتماً مع ترسيخ قواعد الديمقراطية، ومع الاستمرار في رفع وتائر النمو الاقتصادي الذي سينعكس أمناً ورفاهاً على الشعب التركي. وكذلك مع معالجة هادئة لنتائج الانقلاب، تنطلق من مصلحة الشعب التركي. والساسة الأتراك قادرون على هذا الأمر!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث