الرئيسية / رأي / كيف نستوعب واقع تركيا ما بعد الانقلاب الفاشل

كيف نستوعب واقع تركيا ما بعد الانقلاب الفاشل

نبيل شبيب _ صدى الشام/

تمهيد

قبل الحديث في صلب الموضوع أستسمح القارئ الكريم بمقدمة حول “الاستبداد العادل” و”حكم المتغلب”، من بين التعابير التي نتداولها.

أولا:

– تعبير “المستبد العادل” تعبير فاسد ابتداء ومتناقض مع نفسه، فالاستبداد بأدنى مستوياته، أي التشبث في قضايا مشتركة برأي ذاتي لا يراعي سواه، يعني تغييب العدالة وما تفرضه في العلاقات بين البشر..

– هذا تعبير يصنعه من يدور في فلك التبعية للمستبدين، وأشدهم إفسادا من يعطي ذلك المضمون الباطل “هالة قدسية” مخادعة، عبر تأويلات ملتوية لنصوص قرآنية ونبوية وأقوال علماء سابقين، ليوهم من يرفض “الاستبداد” بفطرته كما لو أنه ينكر نصا شرعيا، وليس هذا صحيحا بل ينكر تأويلا فاسدا.

– هذا أخطر شأنا من المستبد نفسه، من حيث حجم الإساءة إلى الإسلام والعلماء وقضية العدالة بين الناس.

ثانيا:

– إن ما يسمّى “المستبد العادل” وما يسمى “حكم المتغلب”، تعبيران مترادفان مضمونا ويستخدمان لغايات متشابهة.

– “حكم المتغلب” مرفوض بحد ذاته، وليس لمجرد كونه من إنتاج اجتهادات فقهية في عصر سابق، وقد قيل ما قيل فيه تعليلا بأسلوب التأويلات أو رفضا اعتمادا على ثوابت الأصول التشريعية..

– نعايش الآن كيف تتخذ جهات معاصرة تعبير “حكم المتغلب” منطلقا لتصورات وممارسات تنتهك حتى المحددات الواردة فقهيا بشأنه، وتنتزع ما يروق لها من مقولات السابقين من سياقها الاجتهادي وسياقها الزمني وسياقها المكاني، وتفصلها عمّا يعلو شأنا عليها من ثوابت منظومة القيم والأصول التشريعية في الإسلام..

– إن الترويج لتعابير من قبيل المستبد العادل والحاكم المتغلب يزوّر الإسلام ويشوّه حقيقة عدالته، ويبرر تبريرا فاسدا ممارسات فاسدة حافلة بالمظالم والجرائم.

كل مستبد مجرم.. وكل تزوير للمفاهيم والمصطلحات ذات العلاقة مشاركة في إجرامه، ولجرائم الاستبداد درجات.. ويستحق مرتكبه من الجزاء ما يتناسب مع درجة إجرامه.

ثالثا: الحصيلة:

– كل مستبد مجرم.. وكل تزوير للمفاهيم والمصطلحات ذات العلاقة مشاركة في إجرامه.

– جريمة الاستبداد درجات.. ويستحق مرتكبه من الجزاء ما يتناسب مع درجة إجرامه.

ويضاف إلى ذلك:

– حالة الطوارئ ضرورة في حالات استثنائية عبارة عن كوارث أمنية وطبيعية، ولكنها قريبة جدا من حالة الاستبداد، ولا يبررها إلا انضباطها إعلانا وصلاحيات وفترة زمنية ومحاسبة شفافة، وفق أحكام دستور غير استبدادي.

 

طبيعة الوضع في تركيا

تمرّ تركيا منذ سنوات بمرحلة انتقالية ما بين الاستبداد والعدالة:

١- أثناء عملية نقل البلاد والعباد من حالة الاستبداد إلى حالة العدالة تدريجيا، لا تغيب مظاهر الاستبداد وتجلياتها جميعا دفعة واحدة.

٢- العنصر الحاسم لتقويم وضع انتقالي هو “استمرارية الاتجاه نحو العدالة” وتحقيق النتائج المرئية يوما بعد يوم.

٣- لا يفيد القول اعتباطيا: إن المسيرة نحو العدالة متواصلة في الاتجاه الصحيح، بل يجب الرجوع إلى معايير أساسية مرتبطة بالسلطة وممارستها، في مقدمتها تحريم الإكراه في الدين، وتحريم استعباد الناس “وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”، وما شابه ذلك مما نعرفه من الدين بالضرورة، ونعرفه عبر الدراسات الفقهية، إلى جانب الأمر بالعدل في سائر الأحوال وتجاه سائر الناس.

٤- هذه “منطلقات” يقع واجب الالتزام بها على العلماء وعلى العوامّ، وتسري على التعامل الآن:

(١) مع ما شهدته تركيا من محاولة انقلابية إجرامية آثمة..

(٢) كذلك مع ما نشهده من تحرك السلطة الشرعية في “تركيا ما بعد الانقلاب الفاشل”.

 

ولا يغيب عن الأذهان في تقويم الوضع، أن تركيا عاشت لعشرات السنين تحت قهر “حكم المتغلب” علمانيا وعسكريا مع ممارسات استبدادية إجرامية وتبعية خارجية بعيدة المدى، وأخفقت محاولات سابقة للتخلص منه لأسباب لا مجال لسردها هنا. وعندما نقول إنها في “مرحلة انتقالية”، فيعني ذلك عدم إغفال وجود بقايا استبداد سابق وعدم إغفال عدم اكتمال الوصول إلى معطيات حكم العدالة الرشيد.. ولكن بعد جهود سابقة بدأت مسيرة التغيير يوم وصول العدالة والتنمية إلى السلطة، عبر أصوات الانتخاب، ورغم قيود عديدة بقيت مفروضة من جانب الحكم الاستبدادي العلماني العسكري السابق.

 

إن وضع التغيير الانتقالي في تركيا قائم على منهج يعتمد على مفعول مرتكزات أساسية كثيرة، لعل الستة التالية منها أهم من سواها:

١- إنجازات النهوض.. مع أولوية الاعتماد على الذات في الميادين الاقتصادية والمعيشية والقيمية وغيرها.

٢- التدرج في التطبيق.. مع الجمع بين “الواجب.. والممكن”، لتحقيق الأفضل داخليا وفي العلاقات الخارجية.

٣- الجرأة في صناعة القرار وتطبيقه.. مع تجنب الارتجال والاستعجال والإكراه.

٤- الاستفادة من أخطاء محاولات التغيير التحرري السابقة وتجنب تكرارها.

٥- اعتماد التشبث بإرادة الغالبية الشعبية دون تمييز فئوي أو انتمائي.

٦- تحديث أساليب الإدارة والإنتاج والاستفادة في ذلك من التجارب البشرية العالمية.

هذه مرتكزات منعت حزب العدالة والتنمية من السقوط في إغراء كرسي السلطة للتسلط، ويجب استمرار ذلك، إذ اعتمد واقعيا على “تيار” لا يتجانس في جميع مكوناته، من حيث التصورات والسلوك، ولكن يتكامل عبر التلاقي على منظومات متعددة للقواسم المشتركة، وهو ما ظهر أثره الكبير خلال الأيام الأولى من التصدي لمحاولة الانقلاب الأخيرة البائسة.

بالمقابل تمضي المسيرة في “حقول” ألغام متعددة تزرعها جهات من داخل الحدود وخارجها، توارثت مصادر قوتها من عهد “حكم المتغلب” العلماني السابق، فلا ينبغي التهويل من شأن الاضطرار إلى استثناءات في التعامل مع الأخطار.

بين هذا وذاك تبقى الحصيلة:

إن الأعوام الماضية منذ ٢٠٠٢م على الأقل، هي أعوام التغيير التدريجي في تركيا للقضاء على حكم المتغلب العلماني وارتباطاته الأخطبوطية داخليا وخارجيا، وإيجاد دعائم تحفظ استمرارية حكم رشيد.. لم يكتمل تكوينه بعد.

مخاطر في المستقبل المنظور

كلما سقط مرتكز من المرتكزات الداخلية لهيمنة أجنبية خارجية، تضاءل حجم الخطر الخارجي نفسه، ولا يعني ذلك توقف محاولاته للتعويض على ما يخسر عبر صناعة مرتكزات بديلة.

ليس إخفاق هذه المحاولات أمرا تلقائيا وحتميا، بل هو مشروط بتمتين بنية البناء الداخلي على كل صعيد، بدءا بالقوة العسكرية القويمة، انتهاء بمستوى الوعي الفردي شعبيا، ناهيك عن أجهزة الدولة ومنشآت متابعة النهوض الاقتصادي والمعيشي والعلمي والقيمي.

من هنا التأكيد: إن الخطر المحتمل الأكبر مستقبلا على تركيا مرتبط بحجم ما يُرتكب من أخطاء في هيكلية البنية الداخلية، ليس من قبيل ما يسمى “ثغرات”، فهذا يمكن إصلاحه عبر متانة البنية الهيكلية الجامعة، إنما المقصود ما هو من قبيل “الأخطاء والانحرافات” في مسار هذه البنية.

هذا ما يملي علينا التزام الحق والمنطق في استيعاب الواقع التركي والتعامل معه، بعيدا عن الحماسة المجردة تأييدا، أو التحامل العدائي تنديدا، أو اتخاذ مواقف متناقضة بسبب قياس الواقع التركي على تصورات ومقولات حالمة واهمة وإن لبست عباءة التعالي على سواها. ومن المطلوب تبعا لما سبق:

أي خطأ في مسار العدالة في تركيا الآن يتطلب التصحيح، ولا يخدم هذا المسار تبرير الخطأ أو تمريره أو السكوت عنه، ولا يفيد التهوين من شأن الخطأ عبر مقارنته بتعداد جرائم أعداء العدالة في تركيا الآن وسابقا أو في أنحاء العالم الآن وسابقا..

إن مسيرة التغيير تبلغ غايتها عند إيجاد ما لا يتضمن “مخلّفات” ما صنعه استبداد يراد تقويضه.

يمارس أعداء تركيا “شخصنة” القضية عبر “شيطنة إردوغان”، ربما لتبرير ضربات آثمة محتملة، ولا ينبغي أن ينزلق أنصار تركيا إلى “شخصنة” القضية عبر “تمجيد إردوغان”..

إن مشروع نهضة تركيا وعدالتها مشروع شعب ودولة وتيار، وليس مشروع شخص يخطئ ويصيب، مهما بلغت إنجازاته وبلغ تقديره وحتى محبته.

المسار العام هو الأصل، وما عدا ذلك تفاصيل.. ولكن بالغة الأهمية، مثل حملات التوقيف والاعتقال والتطهير وحالة الطوارئ وتطبيقها وتعديلات دستورية محتملة وغير ذلك.

أي خطأ في مسار العدالة في تركيا الآن يتطلب التصحيح، ولا يخدم هذا المسار تبرير الخطأ أو تمريره أو السكوت عنه، ولا يفيد التهوين من شأن الخطأ عبر مقارنته بتعداد جرائم أعداء العدالة في تركيا الآن وسابقا أو في أنحاء العالم الآن وسابقا..

يسري على جميع ذلك وأمثاله:

– تحديد الموقف تأييدا أو معارضة يتطلب التقدير الموضوعي لما تحققه أي خطوة من إنجاز لصالح تركيا وشعبها، ونهضتها وتحررها، وعدالة حكم رشيد مطلوب، واستقلالية متوازنة عن الهيمنة الأجنبية، والالتزام بقضايا العدالة داخليا وفي قضايا الإسلام والمسلمين وقضايا الإنسان في عالمنا وعصرنا.

– الاطمئنان إلى سلامة الموقف أمر نسبي يرتبط بمدى سلامة المعلومات المعتمدة، وربطها برؤية واقعية لتركيا وموقعها إسلاميا ودوليا، ضمن رؤية “إسلامية” أشمل، لا تُبتسر مكوناتها ابتسارا أو تأويلا من اجتهادات فرعية على حساب الكليات الكبرى لثوابت الإسلام الشاملة للمسلمين ولجنس الإنسان.

– التعبير عن الموقف بقصد التأييد أو النقد الهادف للإصلاح، لا يحقق الغرض مهما حسنت النوايا ما لم يقترن بالوعي أولا، وآداب اللسان والقلم ثانيا، والإخلاص في اختيار الزمان والمجال والأسلوب ثالثا.

باختصار:

على الفرد أن يتحرر.. ويتابع.. ويتيقن.. ثم يقول ما لديه بأسلوب يعبر عن إخلاصه ورقي فكره وهدفه.

ويلاحظ أن ما سبق لم يتعرض لموقف تركيا من القضية الكبرى في سورية، أو من الثورات الشعبية العربية، لأنه موقف مبدئي، لا يقوم على المقايضة، وتركيا بلدنا الذي نحرص عليه سيان ما هي الجنسية التي نحملها.

 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *