الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / اقتصاد النظام وسياسة استغباء المواطن

اقتصاد النظام وسياسة استغباء المواطن

أحمد العربي

لطالما اتسمت السياسة
السورية بشكل عام، والاقتصادية منها بشكل خاص بالتخبط وغياب الرؤية الاستراتيجية،
حيث تأتي تصرفات الفريق الاقتصادي في سوريا دائماً كرد فعل فقط، ما ينتج
قرارات ارتجالية قد تشكل حلولاً على المدى
القصير لكنها تفاقم مشكلات الاقتصاد السوري على المدى الطويل، وهذا ناجم عن
استسهال الفريق الاقتصادي في سوريا لاستيراد حلول جاهزة تمثل تجارب دول أخرى،
تختلف في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية عن سوريا، وتطبيقها دون حساب لآثارها
الاجتماعية وما سيترتب عليها من أعباء على المواطن السوري، وهذا أمر غير وارد
اقتصادياً، إذ لا يمكن تمرير قرارات وبخاصة ما يتعلق منها بقوت المواطن دون دراسة
آثارها الاجتماعية عليه.

شكلت السياسة الاقتصادية
المتخبطة للحكومة السورية، وتحويلها المواطن إلى حقل تجارب لقراراتها وإغفالها
استطلاع رد فعله حول تلك القرارات، لاكتفائها بالتقارير الأمنية التي أعلنت موت
هذا المواطن بشكل أصبح معه من المستحيل أن يصدر عنه أي رد فعل يهدد النظام، أرضية
اقتصادية لقيام الثورة السورية. لكن النظام السوري لم يستفد من تلك الخبرة، ولم
يتدارك أخطاءه الاقتصادية خلال الثورة، حتى يتمكن على الأقل من الحفاظ على ما تبقى
من مؤيدين له. فهاهو فريقه الاقتصادي يواصل سياسة استغباء المواطن، واستخدام حيل
رخيصة لتمرير قراراته الاقتصادية الجديدة وخاصة المتعلقة منها برفع الأسعار،
لتخفيف أثرها على المواطن. فهي ومنذ بداية الأزمة تقوم بتقليل عرض المواد في السوق
كسياسة تمهيدية لرفع أسعارها، ومن ثم توفيرها فاتحين بذلك الباب لتجار السوق
السوداء من أزلام النظام، لاحتكار تلك المواد وجني أرباح خيالية من استغلال حاجة
المواطن.

اتبع المصرف المركزي السوري
تلك السياسة كلما أراد رفع سعر صرف الدولار أمام الليرة، وهو أمر تحدثنا عنه في
مقالات سابقة حول الارتفاع الأخير الذي شهده الدولار، والذي غاب فيه المركزي عن
التدخل ليعود بعدها للتدخل ورفع سعر الدولار من 167 إلى 198.
وهاهي الحكومة تزيد من مأساوية الوضع المعيشي للمواطن،
عبر قرارها بزيادة سعر المازوت ليصل لـ 125 ليرة للتر الواحد وسعر ربطة الخبز لـ 35
ليرة، لتحدث قفزة بالأسعار ناتجة عن زيادة التكاليف بأثر مضاعف للمحروقات والدولار،
أي المواد المستوردة، تحت الذريعة التي ما فتئت الحكومة السورية تكررها منذ عشر
سنوات تقريباً وهي إنقاذ خزينة الدولة من عبء الدعم، وتوجيه أموال الدعم نحو
مشروعات التنمية. ولكن أين هي تلك المشروعات؟ وماهي المبالغ المخصصة لها؟ ولماذا
لا تظهر في ميزانية الدولة؟ وهل هناك من إمكانية للتنمية اليوم في ظل ما تعيشه
سوريا من دمار؟ أوليس الأهم اليوم هو تحقيق العيش الكريم للمواطن
عبر دعم
السلع الأساسية بدل رفع أسعارها؟ ولماذا لا تستخدم الحكومة أدوات السياسة المالية
مثل الضرائب العادلة، لتزيد الضرائب على الطبقات التي لم تتأثر بالأزمة من أصحاب الدخل
المرتفع لرفد خزينتها،
بدل أن تثقل كاهل المواطنين من أصحاب الدخل المحدود
وتحرمهم بقراراتها حتى من القدرة على العيش بحد الكفاف؟ ثم تعود لترفق قراراتها
بما يدل على غبائها الاقتصادي المنقطع النظير عالمياً، حين تثبت أجور النقل بين
المحافظات وتترك أسعار النقل الداخلي للسائقين ليحددوه، وكأن المواطن في ظل الحرب
الدائرة يستخدم المواصلات بين المحافظات أكثر من استخدامه لها داخل محافظته، وكأن رفع
سعر المازوت ينعكس فقط على المواصلات، وليس على القطاع الإنتاجي عموماً. وطبعاً لم
يستطع رأس النظام بشار الأسد، إلا وأن يعبر عن غبائه أيضاً من خلال المرسوم الذي
أصدره، حيث أعطى فيه أربعة آلاف ليرة سورية أسماها تعويضاً معيشياً، والغباء يكمن
في أن المبلغ المخصص لهذا التعويض يعادل 115 مليار ليرة سورية، وهو يساوي مبلغ
الإنفاق الجاري على السلع التي تم رفع أسعارها (الغاز – المازوت – الخبز)، أي منح
المواطن مبلغاً يعادل تماماً الفرق بين السعر القديم والسعر الجديد لتلك المواد
فما الفائدة إذاً من الزيادتين؛ الأسعار والرواتب؟ فإن كان الهدف هو توفير مبلغ
الدعم الذي تقدمه الحكومة لتلك السلع، والمفترض نظرياً أن يفوق الـ 115 مليار
دولار التي قدمت كزيادة للرواتب، فأين بيانات الحكومة حول الوفر المحقق، والمشاريع
التي تعتقد أنها أكثر أهمية من دعم أساسيات العيش الكريم للمواطن، والتي ستمولها
من هذا الوفر؟ أما إذا كان الهدف هو تحريك الركود الاقتصادي عبر دعم القدرة
الشرائية للمواطن بهذه الزيادة، فكيف يمكن أن يتحقق ذلك إذا كان هذا القرار مترافق
بزيادة أسعار سلع أساسية، أي يبطل أثر زيادة الدخل على منحنى الطلب في السوق؟ لا يمكن
إيجاد تفسير لهذا القرار سوى الغباء.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *