عبد القادر عبد اللي
لم يتفق إعلام الولي الفقيه والإعلام
المعارض له على النحو الذي اتفق عليه بالموقف إزاء “مسيرة” باريس
المناهضة للإرهاب منذ أربع سنوات إلى الآن. اعتبر الطرفان غياب الأسد هو نقص هائل
يُفقد هذه المسيرة معناها، وأن الحاضر الغائب في تلك المسيرة، بل الذي يقودها فعلياً
هو “الأسد”.
طبعاً فإن إعلام الولي الفقيه في تركيا،
وخاصة الشيوعي منه، اعتبر بأن الأسد بدعم من الولي الفقيه هو الوحيد الذي يحارب
الإرهاب في العالم، وأن هؤلاء الذين خرجوا في المسيرة يبكون ندماً على حياكتهم “المؤامرة
الكونية” ضد هذا النظام الذي لولاه لضرب الإرهاب اليوم العالم كله، وأن هذه
العملية ليست إلا بداية، وسيرتد الإرهاب على هؤلاء مزيداً من العمليات كما حذر
النظام السوري من قبل.
لا يختلف الإعلام المعارض في الطرح
كثيراً، فهو أيضاً يتهم الذين تصدروا المسيرة بأنهم سبب هذا الإرهاب، ولو اتخذوا
موقفاً حاسماً من الصراع في سورية لما وصل الإرهاب إليهم. وكان الرئيس الفرنسي من
المؤيدين لهذه الفكرة، فقد اعترف بالخطأ دون أن يكسب فضيلة، بأنهم لو أنهوا الصراع
في سورية وتخلصوا من النظام لما نما الإرهاب إلى هذه الدرجة.
الخصمان الشكليان، القاعدة وداعش، أيضاً
باركا عملية الهجوم على المجلة، واتفقا على أنها إنجاز مهم ضد أعداء الله
والساخرين من النبي r، وبالطبع شاركهما
الرأي المجاهدون في سورية كافة، ولم يبق سوى أن تنزل في مناهج الدراسة باعتبارها
من الإنجازات المجيدة.
يبدو أن تبني قاعدة الجهاد في اليمن
للعملية، واعتراف المهاجم على الهاتف بأنه يعمل لصالح قاعدة الجهاد في اليمن لم
ينفع كثيراً، فالأضواء مازالت تسرقها داعش، أو أننا نحن السوريون
“جميعاً” مازلنا نركّز نظرنا على داعش. ليست “المسيرة” وحدها
من نتائج العملية، بل شهدت الساحة تطورات عديدة أقل ما يقال فيها إنها مخيفة، وأهم
هذه التطورات حتى الآن:
1- دعوة تركيا إلى مؤتمر “مكافحة إرهاب
داعش” في لندن، ومن المتوقع أن تُدعى إلى مؤتمرين آخرين في المنحى ذاته، إذ
بعد أن كانت تركيا ترفض المشاركة في هذا التحالف الدولي إلا إذا فرضت منطقة آمنة
في الشمال السوري، ها هي تشارك في المؤتمر. واعتبر كثيرون أن مشاركتها هذه من
المؤشرات أو تمهّد لدخولها في التحالف الدولي ضد داعش، خاصة بأن التقديرات تشير
إلى وجود سبعمائة عنصر تركي يقاتل في داعش، وبدأت تركيا تتخوف من عودتهم، فمن رضخ
لشروط الآخر؟ مازال الوقت مبكراً للإجابة، وفي السياسة كل شيء وارد، ولكن من
الضرورة بمكان العمل وفق المثل القائل: “تفاءل بالأفضل، واستعد للأسوأ”.
2- زيارة مفاجئة لوزير الخارجية التركي
إلى الكويت. والمعروف بأن الكويت كانت “عراب المصالحة القطرية المصرية”
أو على الأقل لعبت دوراً مهماً في تلك المصالحة، وهي التي بادرت بافتتاح القنصلية
السورية، فهل زيارة وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو إلى الكويت تؤدي إلى
مصالحة شبيهة؟ بالطبع فإن المصالحة في كل الأحوال تحمل أكثر من منحى، فيمكن أن
تكون ميلاً تركياً نحو الموقف الخليجي والسعودي تحديداً، وبهذا تراجع تركيا عن
مواقفها السابقة من النظام، ويمكن أن يكون بالاتجاه العكسي أي ميل الخليج لدعم
الموقف التركي في مؤتمر لندن، فإذا تحقق تراجع في الموقف التركي فيسكون هذا أيضاً
من إنجازات “قاعدة الجهاد”.
3- توسيع “المنطقة العسكرية”
بين الحدود السورية والتركية “لمنع تسلل المجاهدين”، وإذا كانت السلطات
التركية تقول بأن هذا لن يؤثر على الفارين من العنف، فإنه من غير الممكن ألا يؤثر،
فوجود منطقة عسكرية يعني تفتيشاً أدق، وإجراءاتٍ صارمة أكثر، وهذا بالنتيجة انعكاس
سلبي لابد أن يزيد المعاناة.
4- نسي السوريون جوعهم والبراميل
المتساقطة على رؤوسهم وبيوتهم المدمرة وفقدانهم أغلى الناس عليهم، فلم تعد مشكلتهم
–ولو إلى حين- القصف والبراميل المتفجرة والحصار والمرض وعشرات آلاف المعتقلين
والمخطوفين والمحاكم الشرعية ومحاكم الإرهاب، وأحكام وهن نفسية الأمة والردة…
وتظاهروا في هذه الجمعة نصرة للنبي، ولعل هذا الإنجاز من أهم الإنجازات التي
حققتها العملية: “ما في شي خلصت”.
هناك من يعمل ليل نهار على تبيض صفحة
النظام، ولقد حققوا نجاحات مهمة منهم عن قصد ومنهم عن غير قصد. النتيجة الأهم أن
المعارضين السوريين لم يتخلوا بعد عن منهج النظام. نحن على أبواب تغيرات يمكن أن
تكون مؤلمة، بالطبع لن يقول أحد من المتضررين هذا ما جنيناه على أنفسنا، وما
ظَلَمَنا أحد، سيصرخون بملء أصواتهم: “مؤامرة كونية”، ويستخدمون التعبير
الذي سخروا منه كثيراً.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث