أحمد العربي
مع
تزايد عمر الأزمة في سوريا، يتفاقم حجم الكارثة التي لحقت بها بشرياً واقتصادياً،
حيث جرت العادة، منذ بداية الأزمة، أن تتحول معاناة السوريين إلى أرقامٍ في تقارير
لمختلف المنظمات الدولية، الاقتصادية منها والاجتماعية، تعكس هذا الواقع المرير.
فمن يستعرض في مطلع العام الجديد بعض ما ورد في تلك التقارير الاقتصادية، أياً كان
الجانب الذي يقف فيه، سيعي ما يحدث من إرهاق للاقتصاد الوطني،وحجم الكارثة مع
تراجع الإنتاج في مختلف القطاعات، وبلوغ الخسائر مليارات من الدولارات، وتدمير
كبير للبنية التحتية.
وكان
من أكثر التقارير دقة وشمولاً للوضع السوري تقريراللجنة الاقتصادية
والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، حيث لفتت فيه إلى انخفاض حجم الناتج المحلي
الإجمالي؛ من 60 مليار دولار عام 2010إلى23 مليار دولار العام الحالي،
بمعدل انخفاض يزيد عن55%. حيث علل التقريرذلك الانخفاض إلىصرف
الجزء الأكبر من موازنة الدولة على الجيش والأمن.
كما
أشارالمنتدى الاقتصادي السوري، في تقرير نشره قبل نحو شهر، إلى أن “الأسباب
الأخرى هيتوقفالمشاريع والأنشطة الخاصة بالمؤسسات
الإنتاجية؛نتيجة خراب البنى التحتية، ونقص الوقود، وتوقف المواصلات”،
لافتاً إلى أنه “في حالاستمرارالأزمة، سوف تتوقف عجلة الحياة،
ولذلك يتوجب وقف العمليات العسكرية أولاً، وأخذ البلاد إلى حل سياسي يوقف الدمار”.
حتى
مسؤولو النظام لم يستطيعوا إخفاء حجم الخسائر، حيث كشف وزير الإدارة المحلية في
نظام الأسد،”عمر إبراهيم غلاونجي”، في أيلول/سبتمبر الماضي،أنالخسائر
التي لحقت بالقطاع الحكومي في سوريا، منذ بدء الأزمةفي مارس/آذار 2011، بلغت7144
مليار ليرة، أي حوالي 41 مليار دولار، تتألف من خسائر مباشرة بقيمة1495
مليار، وأخرى غير مباشرة بلغت5649 مليار.
ويعد
هذا الاعتراف الأول من نوعه لمسؤول سوري، حول تقديرات حجم الأزمة والأضرار التي
أصابت البنية التحتية السورية، منذ اندلاع الثورة عام 2011.حيث أكد “غلاونجي”
على أن “لجنة إعادة الإعمار أقرت خطة إسعافية، خلال اجتماعها في نهاية
نوفمبر/تشرين الثاني، لإعادة إعمار البلاد خلال 2015، بقيمة مقدرة تبلغ 19 مليار
ليرة سورية (107 ملايين دولار)، تحسبمن المبلغ الذي رصده مجلس الوزراء
لإعادة الإعمار خلال ثلاث سنوات، والبالغ 81 مليار ليرة سورية (460 مليون دولار)”.
ناهيك
عنأنه في ظل الأزمة الحالية، وارتفاع معدل البطالة إلى 70%، وارتفاع سعر صرف
الدولار مقابل الليرة السورية؛ليصل إلى 200 ليرة،وارتفاع الأسعار
وانخفاض القوة الشرائية في السوق السورية، فإنالظروف المعيشية التي يمرّ بها
المواطن السـوري، تعد الأكثر سوءاًعلى الإطلاق.
حيث
أن آخر مسح لإنفاقالأسرة السورية، والذي أجراه المكتب المركزي للإحصاء في
2010، قدّر متوسط إنفاقهاشهرياً، في حينه،بحوالي 30.900 ألف ليرة (618
دولار)، منها مبلغ 231.48 دولار كقيمة إنفاق شهريعلى المواد الغذائية؛ اللازمة
لأسرة مكونة من خمسة أشخاص.وبحسب تقديرات مكتب الإحصاء لمعدلات التضخّم السنوية،فإنّ
معدل التضخّم التراكمي في سـوريا منذ ما قبل الأزمة في 2010 وحتى نهاية 2013، بلغ
173%.
وهذا
يعني أنه إذا ما عكسمعدل التضخم على تقديرات الإنفاق في 2010،فإنّ
إنفاقالأسرة السـورية المكونة من خمسة أفراد شهرياً، يعادل 84.400 ألف ليرة
سـورية، وهي تعكس الحاجة الفعلية للأسرة السـورية شهرياً،وبما أن متوسط
الأجور في سـورية عام 2014؛ بلغتقريباً 25 ألف ليرة سـورية (125
دولار)؛فإنناأمام نسبة كبيرة من السوريين الواقعين تحت خط الفقر،
تجاوزت نصف سكان سوريا.
من
ناحية أخرى وفيظل الأزمة المستمرة، فإنمتوسط استهلاك الأسرة من المواد
الغذائية حالياً، تجاوزمبلغ 71.92 دولار، ما يعنيانخفاض
ذلكالمتوسط شهرياً بمقدار 68.93%، ويعد الأخير قليلاً جداً،إذا ما
قورنببعض دول العالم، حتى أنه أقل منمثيله في بعض الدول التي تعاني من
المجاعة، مثل مالي وغيرها.
هذا
بالإضافة لما لحق بالقطاع الزراعي، والذي يعد من أكثر القطاعات الاقتصادية تضرراً
نتيجة الأزمة في البلاد. حيث تراجعت نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من
17.9% عام 2010 إلى 5% عام 2013، معانخفاض إنتاج الزيتون من مليون طن العام
الماضي، إلى أقل من 450 ألف طن هذا العام، أي بنسبة 55%.
حيث
انخفض إنتاج القمح من 4913 ألف طن عام 2010 إلى 1800 ألف طن عام 2013 بنسبة 63%،
أما إنتاج العدس، فقد انخفض بنسبة 73%، بينما انخفض إنتاج الحمص بنسبة 30%، وانخفض
إنتاج الشعيربنسبة 70%.
وهذا
الانخفاض الحاد بالإنتاج عائد طبعاً إلى منععدد كبير من المزارعين من تقديم
الخدمات الزراعية لأراضيهم، مثلالحراثة والري والحصاد ونقل المحصول،بسبب
القصف وحواجز النظام المنتشرة في أراضيهم. فضلاً عنحرق ودهس كميات كبيرة من
المحاصيل الزراعية بدبابات وآليات الحرب، وعزوف عدد كبير من المزارعين عن الزراعة؛
بسبب ارتفاع تكاليف وسائل الإنتاجوتكاليف الري وجني المحاصيل وغيرها. ماسيؤدي
إلى انعكاسات كارثية على مستقبل الحياة الاقتصادية والاجتماعية في سوريا، وينذر
بمجاعة كبيرة قد يتعرض لها الشعب السوري.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث