رفعت عامر
في بداية القرن العشرين، تقدم أحد المدراء التنفيذيين لشركة فورد بطلب استقالة إلى المالك والمدير العام السيد فورد، معللاً سبب استقالته بخطأ أرتكبه في العمل، وكانت نتيجته خسارة مالية كبيرة للشركة قُدرت بحوالي عشرين مليون دولار.
فكان رد فورد مفاجئاً له، عندما رفض طلب الاستقالة، وعندها وقف المدير التنفيذي أمامه متسائلاً عن سبب الرفض، فأجابه فورد “إنني خسرت عشرين مليون دولار لكي تتعلم، فهل تريدني أن أخسر هذا الاستثمار في تعلمك؟”. وفعلاً قاد هذا المدير التنفيذي، فيما بعد، العمل في الشركة بنجاح باهر وكانت عائدات الشركة، بسبب نجاح الإدارة فيها، كبيرة ولا تحصى.
هكذا، منذ فورد، بدأت منهجية جديدة بعلم الإدارة عَملت قطيعة مع العقلية وأنماط التفكير السابقة، قائمة على أساس أن البشر، بأفكارهم وطاقاتهم الخلاقة وتجاربهم، هم الثروة في خلق القيمة المضافة والتقدم الحضاري.
ونحن بدورنا، نضع نفس التساؤل أمام المعارضة السياسية الوطنية وقوى الثورة، المسؤولين فيها والقيادات، مدراء منظمات المجتمع المدني، التي تعمل على تقديم الدعم والتمويل للسوريين، هل لنا بعد هذه التجارب المريرة التي خضناها على مدار الأربع سنوات من عمر الثورة أن نستفيد من تجاربنا وأخطائنا لكي نقود الثورة للنجاح بروح العقلية التي قاد فيه فورد شركته؟
لقد وظفت المنظمات الدولية والدول الداعمة مبلغاً وقدره 4.2 مليار دولار خلال السنوات الأربع الماضية على الدعم الإنساني والإغاثي للسوريين. ومع أننا في هذا المقال، لسنا بوارد مناقشة الكيفية التي أُنفقت فيها هذه الأموال عن طريق (وحدة تنسيق الدعم والحكومة المؤقتة والائتلاف ومنظمات المجتمع المدني)، كما لسنا بوارد مناقشة الكفاءة الإدارية والفعالية في إنفاقها ولا مناقشة الفساد المالي والإداري وتقييم المنهجية والآليات، ومناقشة إن كانت هذه الأموال قد لبت الحاجة والهدف منها أو لا؟ فقط سنطرح في هذا المقال السؤال الذي طرحه فورد على المدير التنفيذي في شركته: هل بعد هذا الهدر في إنفاق المال العام، والمخصص للسوريين، والذي خسرنا فيه الكثير من الوقت والمال، قد تعلمنا واكتسبنا الدروس والعبر والخبرة المطلوبة لإدارة المرحلة القادمة؟ وهل أصبحنا مستعدين لحل اللغز الكامن في العامل الذاتي -الداخلي، الذي جعل الثورة تخفق في تحقيق أهدافها والوصول لغاياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بعد أن أصبح العامل الموضوعي –الخارجي واضحاً للجميع على أنه ليس في مصلحة الشعب السوري؟
لقد أصبحت الحالة السورية على الشكل التالي:
سياسياً: فعل النظام في سوريا كما فعل شارون بالقضية الفلسطينية، عندما جعل الفلسطينيين يتنازلون عن فلسطين، الدولة المعروفة بحدودها التاريخية، لصالح البحث عن لقمة العيش والأمان والعمل على الأرض المتبقية “الضفة الغربية وقطاع غزة”. وشبيهاً بذلك، جعل بشار الأسد السوريين متسولين على أبواب الدول والأمم عن حل يوقف القتل والتدمير ويوفر الحد الأدنى من مقومات حفظ البقاء. وغابت الثورة وأهدافها، على الأقل في المدى المنظور، لصالح مشاريع وأهداف قوى التطرف التي ليس لها علاقة بالقضية الوطنية السورية.
اقتصادياً: لن نتطرق للخسائر المادية والبشرية، التي لم يكن لها سابق في تاريخ البشرية، بسبب وحشية النظام وغطرسته. فقط سنشير إلى الدور الضعيف والمحدود وغير الفعال لمؤسسات المعارضة، والذي لم يرقَ على مدار الأربع سنوات إلى مستوى خطط وبرامج منظمات المجتمع المدني والشركات الصغيرة الحجم. فلا وجود لخطط استراتيجية ولا إسعافية، وليس هناك من رؤية لماهية النظام الاقتصادي لسوريا المستقبل، الذي سيلبي مطالب وحاجات السوريين. وما ظهرَ منها لا يشكل إلا اجتهادات ودراسات منقوصة، بحكم عوامل عديدة، منها غياب الإحصائيات الدقيقة عن اقتصاد الثورة وسيطرة أصحاب المصالح الذين يجهزون أنفسهم لأدوار تحقق مصالحهم ومصالح الجهات والشبكات المحلية والإقليمية والدولية الداعمة.
لقد بينت السنوات الأربع الماضية أن إدارة مؤسسات المعارضة للمال العام الذي توفر، على قلته وندرته قياساً للحاجات الإنسانية والإغاثية، لم تستطع تلبية الحد الأدنى من احتياجات السوريين وصون كرامتهم. والأخطر من ذلك، أن هذه الإدارة قد شجعت السوريين على التسول في انتظار المزيد من المساعدات، بدلاً من أن تكون قد علمتهم ودربتهم على البحث عن العمل في الظروف والمعطيات المستجدة، وحفزت لديهم الدافع نحو الاستقلالية الاقتصادية والاكتفاء الذاتي.
اجتماعياً وثقافياً: نحن في المرحلة الفاصلة والخطيرة، نحو تحول سوريا بالكامل إلى كيان ممزق يحكمه العنف وتتعرض وحدته الوطنية إلى تفتيت ممنهج، وإلى مجتمع منقسم عمودياً ينتعش فيه الاستبداد بكل أشكاله السياسية والدينية.
هل بعد هذا يمكن لقيادات المعارضة والمثقفين والشخصيات الوطنية أن تدرك أن السبب في إخفاق تحقيق أهداف الثورة ليس فقط بسبب العوامل الخارجية المواتية للنظام، وإنما بسبب عوامل ذاتية تتعلق بسوء الإدارة وغياب الحافز للتعلم والتدريب، بالإضافة لغياب النزاهة بسبب دوام ثقافة الفساد والاستبداد؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث