الرئيسية / رأي / ستضحك الولايات المتحدة على الجميع

ستضحك الولايات المتحدة على الجميع

عبد القادر عبد اللي 
منذ أن تشكل التحالف الدولي لمحاربة “تنظيم الدولة الإسلامية – داعش”، باتت أوراق اللعبة في سورية أكثر وضوحاً. الولايات المتحدة الأمريكية متمسكة بالأسد و”داعش” على حد سواء، صحيح أن هذا التمسك ثمنه باهظ جداً، ولكن لو وضعنا أنفسنا مكان الولايات المتحدة فليس هناك أفضل من هذا الوضع يحقق مصالحها. فهي تكسب كثيراً من المال، والرأي العام الأمريكي مرتاح من هذا الموقف بعد أن قدمت “داعش” أجمل المواد الإعلامية التي تخدم مصالحها، وباتت قوى غير “داعش” اليوم تشارك بتقديم مشاهد مشابهة تخدم سياسة الولايات المتحدة والنظام السوري على حد سواء. 
نعم، هل هناك أفضل من رئيس يحكم ما مجموعه أربع محافظات من محافظات سورية كلها؟ و”داعش” و”جبهة النصرة” يحكمان ما مجموعه أربع محافظات أيضاً… والباقي يمكن القول إنه ينتقل من يد إلى يد، ومصيره كما يُقال في الجاهليتين الأولى والمعاصرة: “كرٌ وفر”. 
ولكن ثمة عنصر منغّص واحد لدى الولايات المتحدة الأمريكية في هذا المشهد المثالي. وهو حليفتها في المنطقة، وعمود حلف الناتو “الجمهورية التركية”. 
اعتقدَ البعض بأن مشاركة تركيا في التحالف الدولي هو أمر نفسي باعتبارها دولة سنية تحارب تنظيماً إرهابياً يدّعي أنه سني، ولكن هذا الأمر غطته دول عربية سنية لديها هذا الطابع أكثر مما لدى تركيا مثل السعودية ودول الخليج العربي… فلماذا الولايات المتحدة الأمريكية تريد تركيا إذاً؟ 
الولايات المتحدة الأمريكية تفكر استراتيجياً، ويمكن أن تحتاج تركيا في مِحَنٍ مختلفة، وأوقات أخرى، وأزمات لا يفكر فيها أحد اليوم، لذلك فهي تريد الإبقاء على هذا الحليف الاستراتيجي، وهذا سبب المواربة بتصريحات المسؤولين الأمريكيين دائماً، وقبولها التفسير المزدوج. 
ولابد أن تركيا وأصحاب القرار في هذا البلد يعون هذا الجانب من الأمر مما يجعلهم متصلبين برأيهم في مواجهة المفاوض الأمريكي العنيد والمقاوم والممانع لأي محاولة مهما صغرت تهدف لإسقاط النظام السوري. 
ولكن الأخذ والرد في هذا الموضوع طال كثيراً، وبما أنه ليس ثمة تطورات على الأرض فهذا يعني أن الرغبة الأمريكية هي التي تتحقق، وأن الأمور في سورية مكانك راوح..
ولكن اللقاءات المستمرة بين المسؤولين في الجانبين التركي والأمريكي تشير إلى الضغط الهائل الذي يعاني منه الطرفان في القضية السورية. فضربات الولايات المتحدة الأمريكية التي يمكن أن ينطبق عليها المثل السوري “ضرب الحبيب زبيب” أو في روايته الأخرى غير البليغة: “ضرب الحبيب متل أكل الزبيب” ستكون مملة وملفتة للنظر أمام الرأي العام الأمريكي والغربي عموماً، ولا يمكن الإبقاء عليها بمستوى “ضرب الحبيب” ولا بد أن تشتد قليلاً لتقنع بعضاً من دافعي الضرائب لديهم، ودافعي الفواتير من خارجهم. 
أما الجانب التركي فقد بات يعاني كثيراً من القضية السورية على الأصعدة كافة، فبواباته نحو الجنوب كلها أغلقت، والتوتر يزداد مع المملكة العربية السعودية والإمارات، والصراع غير المعلن مع إيران، وتأتي فوقه المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والأمنية الناجمة عن استقبال أكثر من مليون ونصف لاجئ سوري لتكون بمثابة المثل السوري الآخر: “كان ناقص الدست باتنجانة” وهناك من يضيف إلى المثل أيضاً: “وكملت”. 
هذا من الناحية الواقعية، أما من الناحية النفسية، فالحملة الإعلامية التي تقودها الولايات المتحدة وتشارك فيها وسائل إعلام الولي الفقيه كلها، وتطوعت وسائل الإعلام السورية التي تسمي نفسها ثورية تقول إن تركيا لا تريد محاربة “داعش” لأن هناك علاقة سرية بينهما، وهما حليفان، ولكن لا أحد من هؤلاء يجد أن هناك حاجة لتفسير محاربة هذا التنظيم للمصالح التركية في العراق، وقطع طريق الشحن التركي، وغيرها.. وبالتالي فإن تركيا تريد الدخول في محاربة هذا التنظيم، ولكنها يبدو قد فهمت اللعبة، وتريد أن تحتمل بعض الضغوط للخلاص بصورة أفضل.
نعم، الوضع حتى الآن “مكانك راوح”. تقول الولايات المتحدة: “المنطقة الآمنة مطروحة على طاولة البحث مع خيارات أخرى”.. ولكن حتى الآن أيضاً لم يتغير الوضع من ناحية الإبقاء على الأسد، ويبدو أن هناك حلاً وسطاً، وهذا الحل يجمع بين الرأي التركي، ورأي المبعوث الدولي إلى سورية بتجميد الصراع في بعض المناطق.. هل يمكن أن تكون هذه المناطق هي مناطق تحت سيطرة المعارضة؟ لعل هذا الحل يجعل النظام السوري يقول إنها هدنة مثلها مثل غيرها، والولايات المتحدة تبقي على أسدها بالصورة التي تريدها هي، وتطلق تركيا على هذه المناطق اسم “مناطق آمنة” وهكذا يخرج الجميع منتصرين.. بمعنى آخر تضحك الولايات المتحدة على الجميع.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *