الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / بعد الليرة السورية.. القطاع المصرفي ضحية المحللين

بعد الليرة السورية.. القطاع المصرفي ضحية المحللين

أحمد العربي
مازال العديد من الثوار السوريين اختصاص “تحليل اقتصادي” والعاملون في الإعلام الثوري الحر غير قادرين على ملاحظة الفرق بين إسقاط الدولة وإسقاط النظام، فيصرّون على إنهاء حكم الأسد من باب الاقتصاد، الذي لم يرهق سوى المواطن السوري حتى الآن، متناسين وهم يرمون سهامهم باتجاه الاقتصاد تحوُّل الثورة في سوريا إلى صراع إقليمي أكبر من سوريا واقتصادها، الذي بات لا يخضع للتطورات الميدانية فيها بل لهبات الداعمين.
لطالما بثّ هؤلاء “الناشطون الاقتصاديون” الإشاعات حول انهيار الليرة، والتي لم يستفد منها سوى النظام بجني أرباح مضاربية عبر وسطائه العاملين في الصرافة وإثبات قدرته على التحكم بسعر الصرف، وتحمل المواطن السوري فاتورة استهتار المحللين وعدم توقعهم لأثر ما يكتب على السوق.
واليوم تتناقل وسائل الإعلام الثورية عن بعضها خبراً مستقاً مما تنشره المصارف الخاصة العاملة في سوريا من بيانات دورية وميزانيات حول قيام تلك المصارف بإيداع جزء كبير من أموالها، التي هي للمودعين أصلاً في بنوك خارجية، حيث تركزت التحليلات على هذا الخبر حول حجم المخاطرة من المصارف بأموال المودعين من خلال هذا الإجراء، وأنه ليس هناك ضمانات لعودة تلك الأموال إلى سوريا أو إلى المودعين في حال انهيار البلد، وأن هذا الإجراء تم بموافقة مصرف سوريا المركزي، للإيحاء بوجود مؤامرة من النظام على المودعين.
في الواقع إن هذا التحليل ينم عن سذاجة وجهل مفرطين مَن يطرحه واستهتار كبير ناجم عن عدم الوعي بخطورة بث مثل تلك الإشاعات على أموال المودعين الذين يدافع عنهم.
 وفي تفنيد التحليل الذي يدين نفسه بنفسه، نجد مع الانهيار الاقتصادي في سوريا والتراجع الحاد والمستمر في سعر صرف الليرة السورية من الطبيعي أن تتوقف عمليات الإقراض التي تشكل أكثر من 65% من العمليات المصرفية لكل المصارف في العالم لارتفاع مخاطرها، وبذلك يصبح أي مصرف عامل في سوريا عرضة للإفلاس، لأنه يدفع فوائد للمودعين على أموالهم وتلك الفوائد مغطاة مما يتقاضاه هو من فوائد على القروض التي يمنحها، ومن الفرق بين الفائدتين يحقق المصرف أرباحه التي يدفع منها أيضاً رواتب موظفيه، لذلك لجأت المصارف العاملة في سوريا إلى إيداع مبالغ تعادل ما كان مخصصاً للإقراض من أموالها في بنوك خارجية بفوائد تمكنها من الاستمرار في العمل، وتبعد خطر الإفلاس الذي يمكن أن يودي بأموال المودعين، ويؤدّي إلى خسارة آلاف العاملين في تلك البنوك وظائفهم. وعن علم المصرف المركزي بتلك الخطوة، فهذا يدل على أنها تمت في النور ووفقاً لقواعد العمل المصرفي المراقب من البنك المركزي، ولاسيما أنها نشرت بشكل علني في ميزانيات تلك المصارف، مما ينفي عدم علم المودعين والذي احتج به المحللون للدلالة على خطورة تلك الخطوة من المصارف. 
أما فيما يخصّ الهاجس الأكبر الذي أرّقَ “المُحللين” حول إمكانية عودة تلك الأموال إلى سوريا، وإلى أصحابها في حال حدث شيء في البلاد حسب تعبيرهم، فهل يضمن هؤلاء المحللون للمصارف في حال حدوث فوضى ناجمة عن سقوط النظام وغياب الدولة، ألا تتم سرقة الأموال من تلك المصارف؟، وبذلك يخسر المودعون أموالهم إلى غير رجعة، وهل يضمنون اليوم في حال بقيت تلك الأموال في المصارف، ألا تتعرض للسرقة من شبيحة النظام، وتلصق التهمة بالعصابات المسلحة؟
 إذاً: هذا الإجراء يضمن أيضاً حماية أموال المودعين من مخاطر السرقة. أضف لذلك أن الأموال تودع بالمصارف الخارجية بحسابات بإسم المصرف، وليس باسم مجلس إدارته، وبحالة إفلاسه تعتبر تلك الأموال من أصول المصرف التي يتم الحجز عليها وتوزيعها على المودعين بنسب إيداعهم في ما يسمى قانونياً بقسمة الغرماء.
 فمن المضحك أن يتخوّف من يدّعي العلم بأبجديات العمل المصرفي من عدم عودة الأموال. رغم أن مثل تلك التحليلات تصنف كوميدية بالنسبة للمتخصصين في الاقتصاد، إلا أنها تحمل في طياتها خطراً كبيراً قد يجهله من يكتبها، يتمثل في تحول هذا التحليل إلى إشاعة ترعب المودعين، وتدفعهم إلى المطالبة بودائعهم قبل أوانها.
 الأمر الذي قد يؤدي فعلياً إلى إفلاس المصارف لعدم قدرة احتياطياتها على مواجهة حالة كهذه من السحب الطارئ، كما حدث في الأزمة المالية العالمية والتي أودت بأكبر مصارف في العالم. وبذلك يكون كاتب هذا التحليل قد ساهم بخسارة مَن يدّعي الخوف عليهم لأموالهم وهم المودعون. 

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *