ثائر الزعزوع
يتعامل بعض قادة المعارضة السورية، وجلُّهم من كتاب المقالات، مع موضوع الوطن كما يتعاملون مع صحيفة يكتبون فيها مقالاتهم التحليلية، وينقلون للقرّاء الأعزاء خبرتهم في العمل السياسي التي لم تنقلهم أبعد من مقهى دمشقي، وصفحات كتب يقرؤونها، ويجرّبون من خلال مقالاتهم تلك كافة الاحتمالات الممكنة تحليلاً وتفنيداً، ولا يتوقفون عند حدود معينة، طالما أن المساحة المتاحة أمامهم قد تمتد، وقد يزداد بموجبها استكتابهم الذي يتقاضونه من إدارة الجريدة أوّل كل شهر أو ربما حسب الاتفاق، ولذلك فإنهم لا ينفكُّون يعرون أنفسهم أمام العالم، ويكشفون أدقَّ تفاصيل اجتماعاتهم وخططهم واستراتيجيتهم للمناورة السياسية، دون أن يراعوا ألف باء العمل السياسي التي تقتضي من ممتهنها أن يتمتع بدرجة من “الخبث” والحنكة التي تمكنه من القفز على الحبال إن احتاج الأمر ذلك.
لذلك فهم يطيلون الكلام والحديث، وليس لديهم أسرارٌ على الإطلاق، ولم يسمعوا بالحديث الشريف: “واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان”، بل لم يسمعوا بأي وصية من وصايا علم السياسة الحديث التي تقول إن السياسة فن الممكن لا فن الكتابة كيفما اتفق، إلا إن كانوا يتعمّدون كشف أوراقهم كاملة حتى يستمر عملهم، ويضمنوا استمرار الأزمة والمأساة التي تمر بها سوريا، والتي يتحمّلون هم جزءاً منها، حتى يتمكنوا من الإبقاء على مقالاتهم بشكل منتظم في كبريات الصحف العربية التي تدفع لهم. ولكن هل حقاً يتعامل بعض المعارضين مع سوريا بهذا الشكل؟
ببساطة نعم، وللأسف، ولعل المتابعَ للصُّحف العربية يستطيع معرفة كافة التطوُّرات وحتى أصغرها داخل الاجتماعات السرية للمعارضة، دون تسريبات أو تلميحات بل حوارات مفصّلة معمّقة مطولة، ويا للهول، وقد تحصل بعض الصحف التي يكتب فيها أحد القادة المعارضين مثلاً على محاضر الاجتماعات وتحقق سبقاً صحفياً على حساب نزيفنا اليومي المتواصل منذ ثلاث سنوات، صحيح أن الشعب من حقه أن يعرف كل صغيرة وكبيرة تدور من حوله لأن زمن الأكاذيب قد ولى، ولكن أضعف الإيمان أن يتم البوح بالخطوط العريضة، بالعناوين فقط، لا أن نستغرق بالتفاصيل ونبث خلافاتنا على السطح ليتفحصها كل من هبَّ ودبَّ، ساعتها لن يكون هذا عملاً سياسياً بل سيكون مسرحاً في الهواء الطلق بلا تذكرة دخول، ولهذا فإن من واجبنا تذكير الأخوة في مجالس المعارضة الكثيرة أن الوطن ليس مجرد جريدة، بل وليس قناة تلفزيونية يطلون من خلالها إطلالاتهم الباسمة، علماً بأنهم قد فقدوا في الآونة الأخيرة حضورهم الدائم على القناة الفضائية ربما لانشغال الفضاء بسواهم في الوقت الحالي، ومهما كانت قيمة المعلومات التي سيدلون بها فإن الأحداث على الأرض أهم من تخيلاتهم وأسرارهم، فداعش تتمدد، والتحالف يضرب، والأسد يتجدد، والنصرة تتعهد، وكل هذه الأحداث تقع خارج عباءتهم القصيرة المليئة بالرقع.
لم نعد أمام مفترق طرق خطير، فقد تجاوزنا العديد من المفترقات، وقد انحدر الوضع بأكمله إلى الهاوية، ولم تعد “مقالاتهم” تشكل فارقاً حتى لدى رؤساء تحرير الصحف التي تمنحهم مساحة ليكتبوا، فما قالوه حتى الآن كافٍ، ويعلم الجميع أنهم لم يعودوا يعلمون أي شيء، وهم يكتفون حالياً بلعب دور المراقب الحيادي، الذي يطل بين فترة وأخرى ليذكِّرنا بنفسه من خلال تسريب جديد يجود به على وسائل الإعلام فينتقل ذلك التسريب بشكل أوتوماتيكي إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليتحوّل إلى مادة للسخرية والاستهجان، فالشعب السوري كلُّه لم يعد قارئاً عادياً، بل تحوّل إلى قارئ لا يعجبه العجب، وهو قارئ متطلب يختار ما يقرأ بحذر شديد، ولم تعد “العبارات الرنانة” تجذبه كما كان قبل سنتين ربما، أي قبل أن يسقط الشارع الثائر الغاضب كافة تشكيلات المعارضة، ويسلم أمره لله، ويعلن أن الثورة يتيمة ولا آباء لها.
الخطط العسكرية كانت تتم على الملأ، سنفعل وسنقوم بكذا، واتفقنا على كذا وكذا، المباحثات والاجتماعات كادت أن تبث على الهواء مباشرة، ما قاله السفير فورد في اجتماع ضمه مع أربعة أشخاص علم به الجميع قبل أن ينتهي الاجتماع، كل هذه الحكايات صارت عادية، ولم يعد الناس ينتظرون ما سيسفر عنه أي اجتماع مهما بلغت درجة سريته، فكل شيء مكشوف من الألف إلى الياء. ونعود لنذكر الأخوة المعارضين الأفاضل بأن الوطن ليس جريدة، بل هو أكبر من ذلك، نرجو منهم أن يتذكروا هذه الحقيقة، وأن يختاروا بين استمرار استكتابهم في الصحف أو بين استمرار عملهم لأجل مستقبل سوريا الذي بات قاب قوسين أو أدنى من يتحوّل إلى مجهول، وقد لا يجدون غداً صحيفة تدفع لهم ثمن ما سيكتبونه لأنه سيكون بلا قيمة، فزمن البكائيات سيكون قد ولى وانتهى.
اختاروا رغم فشلكم وعبثيتكم، ورغم ما وصلت إليه الأمور، فربما بقي ثمة فسحة من الأمل، أقول ربما، لأن ثمة أطفالاً ما زالوا قادرين على أن يحلموا بالحرية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث