سالم عدلي المحمود
«البحر من ورائكم والعدو أمامكم» هي العبارة التي غدت
مثلاً رغم القرون التي مرت عليها. هي عبارة قالها القائد العربي “طارق بن
زياد” عندما همَّ بفتح شبه الجزيرة الإيبيرية “بلاد الأندلس” أي
إسبانيا اليوم، بأمر من والي أفريقيا “موسى بن نصير”، وقد وجد نفسه
وجنده في موقف حرج، أو لعله وعلى الأغلب أنه أوحى لجنده بذلك حنكة منه وتهيئة
نفسية لهم.
وقد تحقّق له ما
صمم عليه وأراده، ومازال الجبل المطل على المضيق الذي عبره بعد قولته الشهيرة تلك،
والانتصار الذي حققه، يحمل اسمه إلى الآن، إذ يسمّى الجبل بجبل طارق، والمضيق كذلك
بمضيق جبل طارق، وللتذكير فقط أقول: استمر العرب في رياض الأندلس ثمانية قرون عاش
فيها أمراؤهم وأثرياؤهم حياة باذخة زاخرة بالرفاه، حياة لم يعرفهما إلا حكام العرب
وحواشيهم الفاسدة في هذه الأيام، ولا أغفل أن الأدب والفلسفة والفكر والفن
والحضارة الاجتماعية كانت إلى جانب تلك الحياة الثرية.
ومعروف أن العربَ قد خرجوا من الأندلس في منتهى الذل والخيبة!
تشير إلى ذلك مقولة «عائشة الحرة» التي ظلت في المخيال الشعبي رمزاً يشير إلى مرارة
الهزائم، وتفاهة الرجال! إنها أم «أبو عبدالله الصغير»، محمد الثاني عشر، آخر خلفاء
بني أمية وآخر ملوك الطوائف في الأندلس. والصغير لقب له أطلقه عليه الغرب إمعاناً
في إذلال ذلك الحاكم الضعيف. أما قول أمه عائشة «ابك مثل النساء ملكاً مضاعاً لم
تحافظ عليه مثل الرجال». فهو قول من تَلَمَّسَ عمق المأساة، وأحَسَّ بمرارة
المعاناة، ولا شك أنها تذكرت أفعال ابنها وسوء تصرُّفه كحاكم!
كان ذلك الأمر قد جرى في الثاني من كانون الثاني من
العام 1492م، وما زال المكان الذي خرج منه، وهو يلقي نظرته الأخيرة دامع العينين
يسمى إلى اليوم بـ «زفرة العرب الأخيرة!»
أجيئ الآن بهذا المثال لتشابه الحالين، حال الأمس، وحال
اليوم. فالعرب رغم محاولة نهضتهم المضيعة في العصر الحديث، يعيشون بسبب من تفاهة
حكامهم اليوم وضحالتهم عصر الطوائف الذليل.
فإذا كان ملوك الطوائف قد أضاعوا بترفهم وبذخهم وإتلافهم
للثروة والملك مجداً عزيزاً بناه لهم أجدادهم، فإن حكام اليوم قد أضاعوا بصلفهم
وفرديتهم واستبدادهم أحلام شعوبهم المشروعة، ولا أقول أحلامهم باستعادة تلك
الأمجاد التليدة. فالماضي لا يعود أبداً، بل بآمالهم العريضة وإمكانية قدرتهم على
اللحاق بركب الحضارة أنداداً حقيقيين لغيرهم من شعوب العالم، لكن هؤلاء الحكام
الذين قتلتهم الفردية فأبقوا بلادهم خارج التاريخ تتمرّغ في أوحال الذل والهزائم
المتلاحقة رغم ثرائها الهائل متعدد الجوانب.
إن الواقع السوري اليوم لهو أنصعُ دليلٍ على ما أذهب
إليه، فهذا البلد الذي كان يعوَّل عليه، حتى وقت قريب، وكانت معظم الحكومات
العربية تتعاطف مع قضاياه، وكان على نحو أو آخر ملاذاً للشباب العربي الحالم بحياة
أفضل وأجمل وأقوى، وهو واحد من بين تلك البلدان العربية التي بشرت بنهضة الأمة
الحديث، (ألم يكن عبد الرحمن الكواكبي حلبياً سورياً؟!) هذا الوطن السوري يهوي اليوم
إلى هوة سحيقة من الضياع والفرقة، تتقاذف شعبه نيران الأحقاد من يمين وشمال، فتغرقه
بالدم والخرائب..!
اليوم في هذا البلد الذي هو سوريا، التي كانت محلّقة على
مدى تاريخها الحديث، عزاً وشموخاً وإباءً، اليوم ترى الناس فيها، وقد اصطفوا في
اتجاهين، وتمترسوا في خندقين، ودخلوا مع الداخلين في اقتتال حاقد عنيف غير مسبوق
أبداً.
اقتتال لا حول للشعب
فيه، ولا قوة! دماء تسيل بغزارة، وتشرُّد يكوي بأوجاعه وأمراضه أجساد ملايين السوريين
وأرواحهم، وخراب يغلق الأفق فلا طريق غير الموت، والعالم تعجبه الفرجة على الفريقين.
حين يرى الفريقين منهمكين بالتصفيق والمباركة غير آبهين للدماء والخراب.
فهذا يصفِّق لإيران وروسيا، ويشتم العالم كله. فهو الذي
تآمر عليه من حسد وغيرة..! والآخر يهتف للغرب وأمريكا. يلوم، ويعاتب على التقصير،
ويطالب بفعل شيء، أي شيء لتخليصه من ورطته، لكنه في النهاية لا يحصد غير الوعود،
وما يكفل له الحياة الرغيدة ولشعبه الخيام والفُتات!
وأما الحزب الحاكم منذ خمسين عاماً وأكثر، الحزب الذي
كانت أحلامه لا تتسع العالم، وقد ثقب في فترة ما جدار الكون بصراخه عن تحرير الأمة
من ربقة التخلف والاستعمار وعن وحدتها تحت ظل نظام اشتراكي يورق، ويزهر للشعب
الفقير، لكن النتيجة أن قوى الظلام هي من نبت على أرضه، وتحت جناحيه على مدى ذلك
الزمن كله من حكم العسكر الذي اختاره البعث للبلاد. فكان حكماً مطلقاً، جناحه الأول
الأجهزة الأمنية، أما الثاني فرجال الدين، وقد جلب الجناحان ما جلباه من تخلف ثم
الخراب والدم والدمار.
ما الذي أريده بعد كل ذلك؟
ما أريده بعد كل ما تقدّم أنَّ المشكلة القائمة في سوريا
اليوم هي في جوهرها ككلّ مشاكل العرب داخلية محضة.
إنها ليست في الروس، ولا في الأمريكان. ليست في تركيا
ولا في إيران! على الرغم من أن هؤلاء كلهم، ومعهم الكثير أيضاً خاضوا بأرجلهم في
الطبخة السورية التي لم تحترق فحسب بل لعلها أنتنت، وفاحت روائحها الكريهة.
جوهر المشكلة كما أراه يكمن في الضعف الذي آلت إليه
البلاد، وبعدم الاعتماد منذ اليوم الأول للحراك السلمي على الشعب.
المشكلة في
إبقاء الحل والربط بيد العسكر. وما داموا كذلك فلن يكون هناك حلّ على الإطلاق، وما
الحل إلا في البدء بإحلال مبادئ نظام ديمقراطي تتفاعل فيه الآراء والتيارات، وبابه
الأمثل مؤتمر وطني تقول فيه الأغلبية الساحقة الصامتة رأيها. هذه الأغلبية الوطنية
التي لم يتح لها، بل لم يسمح لها، حتى الساعة أن تقول كلمة واحدة.
تقولون هذا الكلام غناء في طاحون! أقول ربما، ولكن لا حلّ
يوقف نزيف الدم وأوجاع الناس غيره..!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث