الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / هل يتمسّكون حقاً بالأسد؟

هل يتمسّكون حقاً بالأسد؟

طريف العتيق
سادت منذ الأشهر الأولى لانطلاق الثورة السورية مقولة تحليلية لدى رجل الشارع السوري البسيط، وكذلك لدى عدد من أطياف المعارضة، إذ كثيراً ما تمحور الطرفان حول مجموعة من المقولات التي يتم من خلالها عادة تفسير معظم مجريات الثورة وتطوراتها على الأرض وتفاعلات المجتمع الدولي معها دون كثير مراجعة لهذه المقولات ومدى قدرتها على إعطاء تفسير دقيق لمجريات الوقائع اليومية، وما يستجد عنها.
ومن أشهر هذه المقولات فكرة “تمسُّك المجتمع الدولي” بنظام بشار الأسد واستعداده لبذل الكثير في سبيل المحافظة عليه، والإبقاء على اركانه. فبهذا السبب يتم تفسير وقوف الدول العربية والغربية موقف المتفرج الذي يحصي عدد الضحايا كلَّ يوم، يعترف بالمجرم، ثم رغم قدرته على إيقافه يكتفي بالتنديد والمطالبة بالكفّ عن ارتكاب المزيد من أعمال العنف.
ولهذا السبب تمتنع الدول الإقليمية وغيرها عن تسليح المعارضة بأسلحة قادرة على شلِّ حركة القوات النظامية وإحداث فارق تراكمي على الجبهات المختلفة، وبدافع منه تتغاضى هذه الدول أيضًا عن صفقات التسليح المهولة التي تمد بها كل من روسيا والصين حليفهما “السوري”، بينما لا يمكنهم التغاضي عن تدفق “المقاتلين الأجانب” إلى داخل البلاد إلى آخر القائمة الطويلة من المجريات التي يعود تفسيرها دوماً إلى المقولة الجاهزة إياها: تمسّك المجتمع الدولي بنظام الأسد.
وتحشد لهذه المقولة ما يدعم صحتها في كل مرة يجري استدعاؤها لتفسير حدث هنا أو تصريح هناك، فنظام الأسد هو راعي مصالح الغرب في المنطقة والدول المجاورة، وهو الحامي لأمن إسرائيل، كما أنه المنفذ الأمين لما يطلب منه دوليًا، وهو من قدم خدمات جليلة للنظام الدولي وبالمجان رغم بعض مشاكساته هنا أو هناك.
ولا تخلو هذه المقولة من وجاهة في بعض تفاصيلها، ومن وقائع تبدو مصداقاً لما تبرزه من معلومات وتحليلات، ولكن عند العودة إلى الصورة الكلية لمجرى الأحداث السورية منذ ثلاث سنوات، هل تبدو الفكرة الجوهرية لهذه المقولة صادقة فعلاً؟
هل يبدو أن المجتمع الدولي متمسكاً فعلا ببقاء الأسد، أو أنه كان متمسكاً به على الأقل في بادئ الأمر؟
في الحقيقة فإن ما أوضحته مجريات الأحداث حتى اليوم، يرجّح فكرة أن النظام الدولي كان قد تخلى عن الأسد منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحركة الاحتجاجية في درعا البلد، ورغم ما يبدو في خطابه الأول، عندما خرج رأس هرم النظام معلناً أنه مستعد للحرب إن كانت ستفرض عليه من حصول نظامه على ضوء أخضر لاستخدام العنف “لقمع الثورة”،  فإن مجريات الواقع لاحقا أثبتت أن هذا الضوء الأخضر “على افتراضه” كان جزءاً من محاولة توريط النظام بالسلوك الخاطئ!
إذ شهدت المنطقة العربية في هذه السنوات عينها عدة حركات احتجاجية، بلغ بعضها ذروات خطيرة “كحركة الشارع الأردني، والحركة البحرينية” كادت أن تبلغ لحظة اللاعودة.
 وفي تلك الدول لا غير هرع النظام الدولي إلى تقديم النصائح السليمة في الأسلوب الوحيد الذي يمكن اتباعه لامتصاص غضب الشارع واستلام نظام الحكم للمبادرة من جديد. وعلى رأس النصائح تلك كان استخدام العنف بالحدّ الأدنى، تقديم منح حقيقية لرجل الشارع البسيط والبدء بعملية اصلاحات عميقة طويلة الأمد.
إن دوائر اتخاذ القرار في الغرب تعرف تماماً عواقب الأساليب المختلفة في إدارة الأزمات، وأيُّها ينفع في استيعاب الاحتجاجات الشعبية؟ وأيُّها يفاقمه؟ وعلى فرض أنها تواصلت مع النظام لمشاركته في إدارة الأزمة، فإن نصائحها لم تكن تهدف إلى استيعاب حركة الشارع، بل إلى جعلها تتفاقم لمحاولة تصفية حسابات قديمة وبناء نظام جديد في المنطقة، كان بحاجة إلى استغلال لحظة مناسبة للشروع في تطبيقه، وها قد جاءت الفرصة مع تحرك الشارع السوري.
في هذا الإطار فقط يمكن أن يفهم حديث النظام عن “المؤامرة” التي تستهدف وجوده، هذه المرة المؤامرة كانت موجودة بالفعل، لكن ليس من أجل تحريك الشارع كما فتئ النظام وأجهزته الإعلامية على التكرار، وإنما بوجود نية مبيتة في استبدال النظام الحالي في سوريا بترتيب آخر يكون جزءاً من تحضير إقليمي أوسع، لكن وعي صانع القرار السوري “على افتراض وجوده” لم يكن يملك أية أساليب عملية قادرة على توخي الحذر والتعامل مع المطالب الشعبية بمنتهى الليونة المطلوبة.
 فالمؤسسة الأمنية الحاكمة غير قادرة على استيعاب الاحتجاج، أو تقبل أيِّ نوع من التغيير، بل هي تملك مشاكل بنيوية، تعرضها للانهيار بمجرد انفتاحها على أية عملية إصلاحية.
رغم ذلك، فإن عدم التمسُّك بالنظام السوري، لا يكافئ دعم الثورة دولياً وتحقيق مطلبها في الإطاحة بديكتاتور دمشق وبناء نظام ديمقراطي، لأن هذا السيناريو بالذات غير ملائم للترتيبات الدولية الحالية للمنطقة هنا. لذا كان إغراق الثورة ومفاصلها بالدولار الأمريكي والفساد المالي والإداري والولاءات المتعددة إلى آخر المشاكل المعروفة، هو التعامل الدولي شبه الوحيد مع كتائب المعارضة التي كان آخر ما ينقصها خبث الجهات الداعمة دوليًا وإقليميًا.
إن كان الحديث عن الدور الدولي الكبير في إدارة الأزمة التي تمر بها المنطقة حديثاً صائبًا، فإن نتائج الأيام أوضحت أن هذا الدور كان عاملاً محافظاً على استقرار دول أخرى وعلى حماية أنظمتها من الانهيار، لكن لا يبدو أن نظام بشار الأسد كان موجودًا على هذه القائمة.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *