الرئيسية / تحقيقات / الشتاء يزيد معاناة السوريين.. في الداخل والخارج

الشتاء يزيد معاناة السوريين.. في الداخل والخارج

سما الرحبي

فصل الشتاء من
أقرب الفصول على قلب لميس، الفتاة الجامعية، التي اعتادت انتظاره والتحضير له كل
عام. كان فصلاًللاسترخاء والحميمية، وموسماً لارتداء الثياب الشتوية الأنيقة
بالنسبة لها، لكنه اليوم أصبح فصل الأصابع الزرقاء والاكتئاب والجلوس بين الجدران
الباردة.

المدفأة في زاوية
منزلها باتت قطعة ديكور تغطّي فراغاً لا أكثر، اشتاقت منظرها وهي مشتعلة، فشكل
اللهب الآتي منها يشعرك بالدفء لوحده، الأمر الذي كان يضفي جواً من الحميمية على
الجلسة العائلية المسائية في أيام الشتاء القاسية.

بيت النزوح
الجديد، مستودع في أحد أقبية منطقة الشعلان بدمشق، تعيش لميس وعائلتها الصغيرة، في
غرفتين ضيقتين يصفر الريح بينهما، وخزان المنزل لم “يذق طعم المازوت”
لما يقارب العامين، فتعوض ذلك بأن ترتدي 3 أو 4 معاطف في منزلها ليلاً، وأحياناً
تتحوّل قدماها لصفائح جليدية، فترتدي حذاءها عند النوم، أختها الصغيرة لم تجد
مكاناً لتدفئ جسدها الغض إلا بالنوم بجانب أمها، وسرقة حرارة جسدها، تكوّر نفسها،وتلصق
قدميها الصغيرتين ببطن أمها، فتعود جنيناً.

تشتهي لميس
رائحة المازوت، والاستيقاظ صباحاً على صوت بائعه وعربته التقليدية، إذ تغيب عن
حارتها القابعة على أطراف دمشق منذ أكثر من عام ونصف العام، حتى صوت مزماره
المزعج، أصبح لحناً جميلاً تشتاقه.فتحوّل فصل الشتاء من فصل للرومانسية المترفة
إلى فصل المشقة وانتظار انتهائه بالأيام والساعات عند غالبية السوريين.

عن تحضيرات
الأهالي في دمشق لفصل الشتاء يتحدّث الناشط أبو منذر لـ “صدى الشام”:”دمشق
تفرغ من سكانها، عدد كبير أصبح لاجئاً في بقع العالم المختلفة، والدول الشقيقة على
وجه الخصوص، فالاستعداد لقدوم فصل الشتاء روتيني مثل كلِّ عامٍ تقريباً، الأمر
اختلف فقط على الذين نزحوا من بيوتهم، مجرّدين من كلّ شيء إلا ملابسهم، من دون
بطانيات أو سجاد..الخ، وأولئك يعتمدون على إعلانات منظمة الهلال الأحمر واللجنة
الدولية للصليب الأحمر وغيرها من الجمعيات الإغاثية والإنسانية التي توزّع
البطانيات والفرشات والحصر، وقلة توزيع
كسوة الشتاء لكنها لا تغطي العدد”.

يقف الناس في طوابير
متدافعة أمام محطات تعبئة الوقود، حاملين “قناني” صغيرة وفي أحسن
الأحوال “بيدونات” تكفي لإشعال المدفأة ساعات قليلة، فلا إمكانية لشراء
كميات أو تعبئة الخزان المهجور على السطح، إذ يتراوح سعر ليتر المازوت الواحد أكثر
من100 ليرة سورية في دمشق، مع وعود متكررة كل عام بأن الأزمة ستحل قريباً!

أبو منذر،
سيعتمد على مدفأة الكهرباء والسخانة وسيلة للتدفئة يقول:”الذي تغيّر عن العام
الماضي وبشكل ملحوظ هو انخفاض ساعات التقنين الكهربائي، أمر إيجابي سيوفر على
العالم الكثير، لا نعلم إن كان النظام يخبئ لنا مفاجأة في ذلك، لكن أتوقّع أن هذه
الشتوية سيكون حالها أفضل من سابقتها إذا استمر وضع الكهرباء على هذا النحو”.

في مدينة “دوما”بريف دمشق، والمحاصرة
منذ أكثر من عامين، المواد النفطية ومشتقاتها غير متوفرة للتدفئة، وغيرها من
الاستعمالات اليومية، لا يوجدمازوت نظيف، وإن وجد فأسعاره خيالية لا تناسب أهالي
البلدة الثائرة، تقطير البلاستيك “مازوت البلاستيك” هو البديل هناك
اليوم، والذي يتراوح سعرالليتر بين 500إلى ألف ليرة سورية، رغم ذلك أسعار هذه السنة
أفضل من العام الماضي بحسب أحد ناشطي المدينة.

ولكن المشكلة الأساسية تكمن في طهي الطعام
الذي يتم بشكل بدائي على أغصان الأشجار داخل المنازل، الأمر الذي يستهلك جهداً
كبيراً إضافة لأنه يشكّل خطراً على أفراد العائلة.

يقول بدرة، مسعف في الغوطة الشرقية: إن “ذلك
يؤثر بشكل سلبي، خاصة على الأطفال، فاستنشاقهم لغاز أحادي أوكسيد الكربون بكثرة،
يعرّضهم لمخاطر كبيرة على الجهاز التنفسي ربما لا تظهر اليوم، عداك عن الحروق التي
قد تصيبهم نتيجة ذلك، ففي السنة الماضية وقع طفل أمام حلة الطبخ، أسعفناه إلى المشفى
الميداني، وكان يعاني من حروق متنوّعة الدرجات على جزء من جسمه، لذلك فالمعاناة
كبيرة، وحتى مدفأة الحطب تحرق الأوكسجين، فالشهيق المتاح لأطفال الغوطة الشرقية هو
أحادي أوكسيد الكربون، وغبار الأبنية المهدّمة جراء قصف قوات النظام، وفي أسوأ الأحوال
المواد الكيماوية”! هذا بالإضافة إلى مشاكل عدة، فمثلاً مادة الشحار الناتجة
عن احتراق الحطب، تعلق على الثياب وجدران المنزل، ولا إمكانية لتنظيفها،مما يزيد
الوضع سوءاً، وفي الغوطة أيضاً يستخدمون وسائل بديلة لتجهيز الشاي أو القهوة، وذلك
باشعال مادة الغليسيرين.

يموتون من البرد في المخيّمات

في المخيّمات الوضع أصعب وأشد قسوة على
اللاجئين في أيام الشتاء، خاصة في لبنان والأردن، إذ تقع المخيّمات على أطراف
بعيدة من المدن حيث يشتد البرد، وتقل درجات الحرارة بشكل كبير.

في السنة الماضية غرق في الثلج ثلاثة
أطفال في مخيمالزعتري بالأردن، وتفادياً لتكرار الكارثة هذا العام، تحاول بعض
الجمعيات الأهلية المدنية السورية وغيرها القيام بحملات إنسانية إغاثية لمساعدة
اللاجئين المنكوبين.

وعن المخيمات التركية التي أصبحت أشبهبمدن
صغيرة، فإن كرفانات الصفيح مزودة بمدافئ تعتمد على الفحم والحطب والغاز الطبيعي،
كما أن الحكومة التركية توزّع الفحم على الأسر اللاجئة، وبعض المخيمات الأخرى
تتواجد فيها المدافئ الكهربائية مما يحل جزءاً من مشكلة البرد، لكن المشكلة أن
الأمطار غزيرة وتترافق مع صواعق شديدة، لدرجة أنها قد تسبب الموت، فمنذ أيام وفي
أحد الضيع التركية الحدودية حصلت حالة وفاة نتيجة لذلك.

تقول الناشطة نعمى فاخوري:”تحدث
الفيضانات في المخيمات كل عام، والثلوج تغطّي الخيم، الحالة صعبة جداً، فالشتاء
قاسٍ على المخيمات، أما خارجها فالمنظمات تساعد قليلاً في توزيع أداوت للتدفئة رغم
ذلك، فإن الكميات لا تكفي لتغطية الاحتياجات”. وتتابع:”الحكومة التركية
توزّع الفحم على السوريين بعد الأتراك، فاللاجئ السوري يبقى منتظراً طويلاً ليأتي
دوره مما تبقى.وآخرون منالممكن ألا يصل لهم شيء.

فمسؤولو البلديات في المناطق التركية ليس
لديهم معلومات كافية عن كلِّ العائلات ومناطق سكنها”.

في الأرياف يعتمد الناس على الحطب لسهولة
الحصول عليه بشكل أسرع، أما الأشخاص الأشد فقراً فتراهم في تركيا يبحثون على بقايا
الجرائد والكرتون والورق وكل ما هو قابل للاشتعال ليدفئوا عظامهم بلهيبه.

وتشير الفاخوري إلى نقطة أنه “في
الضيع الحدودية السورية التركية يُهرَّب المازوت من الداخل بشكل كبير، سعره يبقى
أرخص بكثير من المازوت التركي القليل الاستعمال هنا، إذ يعتمدونعلى الفحم والغاز
الطبيعي أكثر، فإن ليتر المازوت التركي يصل حدود 2 ونصف دولار، أما السوري المهرب
لا يتجاوز سعره واحد ونصف دولار تقريبا”.

أما أحمد،الذي يعيش
في مخيم كِلّس الحدودي على أطراف مدينة غازي عينتاب التركية، فقد اعتاد بيع علب
المحارم طوال فصل الصيف، لكن مهنته هذه تتحول في الشتاء لبيع قطع الصوف من جوارب
وكفوف، ولفحاتمما تصنعه والدته.

تقول أم
أحمد:”لسخرية القدر أن زوجي كان يعمل في بيع المازوت على العربة، ومع بداية
الثورة ترك عمله والتحق بالجيش الحر، واستشهد العام الماضي أثناء إحدى المعارك،
فاضطرت أنا وولدي الوحيد للانتقال إلى هذا المخيم في تركيا، لصعوبة الحياة دون
معيل أو سند في الداخل”.

لم تنل أم أحمد
تعليماً يُمكّنها من العمل في ظل حياة اللجوء القاسية، إلا أنها تعلمت الأشغال
اليدوية في مركز لتمكين النساء داخل المخيم، فتعلمت الحياكة والخياطة، واليوم تنتج
شهرياً كمية مناسبة لها ولابنها، وقليلاً يبيعه ولدها في الأحياء الشعبية التركية،
مما يسد جزءاً من احتياجات الأسرة.

يشعل أحمد كلّ
مساء “تنكات” النار في منطقة قريبة من المخيَّممع أصدقائه، ويستمتعون
بالدفء، راسمين أحلاماً لمستقبلهم الغامض.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *