الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / معطوبو الحرب.. ومسؤولية متصدريها!

معطوبو الحرب.. ومسؤولية متصدريها!

هيثم السرياني

تشكّل مسألة معطوبي الحرب وعوائل الشهداء المقيمين في مناطق
المعارضة إحدى الامتحانات الحقيقية للمعارضة السورية بقسميها السياسي والعسكري،
فكما هي حال المنشقين وأوضاعهم المتدهورة نتيجة الإهمال المتعمّد لهم من هيئة
أركان الجيش الحر والائتلاف الوطني، واضطرارهم للانضمام للفصائل المتشددة، ومنها
تنظيم القاعدة، فإن معطوبي الحرب وأسر الشهداء، ممّن قاتلوا في صفوف الجيش الحر،
وغيره من فصائل المعارضة، ليسوا أوفر حظاً من المنشقين
.

فإن كان المنشقُّ المعافى قادراً على كسب عيشه بطريقة ما “العمل
عضلي مثلاً” أو الالتحاق بالفصائل المتشددة، فالحكاية عند المعطوبين تختلف،
من ناحية هم يعانون كل ما يعانيه الآخرون من حصار وفقر، والتعرُّض للقصف والاضطرار
للنزوح.

ومن ناحية ثانية، فحالتهم
الجسدية تمنعهم عن العمل ضمن المجالات المتاحة للعمل في تلك المناطق، إضافة لكون
الغالبية منهم لا يمكنهم النزوح لمناطق النظام، الأمر ذاته ينطبق على أسر الشهداء
لكن بوقع أكبر، فرجل البيت والمسؤول عن تأمين لوازم الحياة قد غاب عنهم نهائياً،
وبات مصيرهم معلقاً بهبات الأقارب ومكاتب الإغاثة، وبعض حالات التكافل الاجتماعي
البسيطة
.

تنصلت الفصائل المسلحة بالعموم من واجبها تجاه مقاتليها ممن أصيبوا،
أو اُستُشهدوا، ولم تقدم لهم أو لأسرهم سوى مبالغ ضئيلة لا تكفي لشهور قليلة،
مبررة ذلك بالحصار، وقلة الدعم في الوقت الذي يظهر على قسم من القادة مظاهر الترف
المادي
.

الائتلاف المعارض بدوره، لم يتّخذ أية خطوة جدية في هذا السياق
كهيئة سياسية يُعترف بها دولياً، وحتى بعد تشكيل حكومة مؤقتة والتي من المفترض أن
تكون الشكل الأعلى للتنظيم المؤسساتي، كذلك هيئة أركان الجيش الحر، لم تبادر إلى
طرح هذه المشكلة في أولوياتها، أو بالحد أدنى تخصيص رواتب شهرية لهم أسوة ببعض
الضباط المنشقين المقيمين خارج القطر، بغضِّ النظر عن كون الكثير من المصابين
يحتاجون العلاج خارج البلاد لتفادي أن تسبب إصاباتهم إعاقات جسدية دائمة- مع
استحالة إمكانية علاجهم في مشافي النظام-
فالإمكانيات الطبية في المناطق المحررة
متواضعة من الناحية التقنية، تتركز غالباً على المعالجة الإسعافية،
والمطالبة بتسفيرهم ستقابل مباشرة بالرفض تحت ذريعة الحصار والعجز المادي، في
الوقت الذي تنقل فيه بعض الفصائل المقاتلين والعتاد من وإلى المناطق المحاصرة عبر
ممرات سرية وتمانع نقل أي من المصابين عبر هذه الممرات حتى من الذين قاتلوا في
صفوفها إلا مقابل مبالغ مادية باهظة
.

بادئ الأمر كان الوضع محتملاً بالنسبة لهم؛ فالثورة تسير بخطا
معقولة، وسقوط النظام يقترب، المسألة إذاً تستحق بعض التضحيات الإضافية، لكن مع
غياب الأمل بحلول قريبة وتفاقم حالة الحصار، وتعقُّد الوضع السياسي، بات الوضع
المعيشي بالنسبة لهم لا يطاق، ناهيك عن
الوضع النفسي السيئ للأسر والمترتب عن وفاة الأب أو إعاقته الجسدية.

يعزو ناشطون هذا الوضع بالدرجة الأولى إلى قلة التنظيم والعشوائية
في العمل، وغياب التنسيق الناتج عن تعدد ولاءات الفصائل المسلحة وحالات الفساد،
إضافة لتهرب هيئة الأركان من مسؤوليتها تجاه ذلك حتى أنها لا تلتزم بموضوع الرواتب
الشهرية للمقاتلين، أو تقديم أي ضمانات لهم للمستقبل متناسية ما قدموه من تضحيات طوعية تجاه الثورة،
في الوقت الذي لا ينطبق الأمر نفسه على قوات النظام الذي ما زال حتى الآن يعامل
مقاتليه من خلال مؤسسة عسكرية منظمة إدارياً
.

فخلال سنين الثورة تغيّرت
الخارطة العسكرية للفصائل المسلحة مراراً وتكراراً، فمن الجيش الحر والمجالس
العسكرية إلى فصائل كبيرة تابعة لدول إقليمية، ولا تعترف بالمجالس، ولا بهيئة
الأركان، كما تعدّدت الهيئات السياسية، وتفاقمت الخلافات بينها.

المسألة الهامة هنا أن هذا
التعدُّد واختلاف التبعية، قد جعلا مسألة التوثيق وضمان الحقوق للمعطوبين، وأسر
الشهداء صعبة جداً، فإن كان في البدايات توثيق هذه الحالات لدى مكاتب مدنية مختصة
كافياً لضمان حقوقهم بعد سقوط النظام،
فالأمر الآن يختلف تماماً ضمن هذا الواقع الجديد وغياب مؤسسة حقيقية متخصصة
تعنى بشؤون هذه الفئة بغض النظر عن التبعية التي كانت للمقاتل.

قدوم التحالف الدولي، وتحوُّل المسألة برمتها سياسياً إلى حرب على
الإرهاب يحاول جميع الأطراف أخذ دور فيها، يعقد هذه القضية أكثر.

تحاول العديد من المنظمات والهيئات المدنية، ومكاتب العمل الإغاثي
والطبي، حل هذه المشكلة، لكن تواضع الإمكانيات
المادية لها، والتزايد المستمر في أعداد
المصابين والشهداء يحول دون ذلك
.

لا حلول جذرية مطروحة حتى الآن، والمبررات دائماً هي قلة الدعم
والعجز المادي لدى الفصائل المسلحة والهيئات السياسية، في الوقت الذي يكثر فيه
الكلام عن الفساد المالي في صفوفهما، متناسين أن التقييم الحقيقي والمنطقي، لأيِّ
طرفٍ سياسيٍّ، أو عسكري، يكون من خلال انعكاس نتائج عمله على الشعب السوري ومصالحه،
وبمقدار توافق هذا العمل مع إرادة هذا الشعب، لأن
الشعب في النهاية هو القضية المحورية في كل ما يجري من أحداث، وهو المالك
الحقيقي للثورة، رغم كل التعقيدات التي تلفُّ الوضع السوري ومحاولات التمويه
والتشويه التي تمارس بحقِّ ثورته
.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *