الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / الله.. القبيلة.. ورعب الصحوة

الله.. القبيلة.. ورعب الصحوة

إيهاب
عبدربه

لتؤسّسَ دولة، عليك أولاً أن تؤسسَ
قوةً جبرية لإنشاء هذه الدولة. الدولة بالمفهوم السياسي تعني القوة، والقوة تعني
السيطرة وتطبيق القانون، أيّ قانون كان، ولكن يجب أن يكون قانوناً واحداً أو على
الأقل من يطبق القوانين، هو شخص واحد أو جهة واحدة.

منذ أربع سنوات، والحرب السورية
مستعرة، تصريحات طنانة ورنانة، ومشاريع قُدِّمت لمجلس الأمن، واستُخدِم ضدها حق النقض
“الفيتو”، ومشاريع لم تمرر، وأخرى وُضِعَت في الأدراج، وكُدّست.

منذ أربع سنوات، ونحن بين أخذ وردٍّ. الروس قبلوا، الأمريكان رفضوا،
الإيرانيون دخلوا، والقطريون بعثوا، والسعوديون استقبلوا، فرنسا تندد، وبريطانيا
تجتمع، والكل اكتفى على بناء خارطة توازنات يمنع كسرها. فهنا يتقدم الحر، وهناك
يتراجع النظام، وهنا الإسلاميون ينتصرون، وهناك ينتكسون، وهكذا إلى ما لا نهاية.

روسيا تبيع السلاح، وتركيا تتمدد، وإيران تقاتل حتى الرمق الأخير، وأمريكا
تتربص.

قال لي صديق: يمشي السوريون “بالزلط”.
يقال بالعامية “إيد من قدام و إيد من
ورا” للأسف لم يعد لكثير من السوريين أيدٍ، ليستروا عوراتهم، لا من الأمام
ولا من الخلف.

فجأةً، وفي صبيحة يوم أيلولي استيقظ
العالم، وتشكّل حلفٌ خطيرٌ، قوامُه خمسون دولةً لمقارعة “الدولة الإسلامية”.

رأس الحربة في هذا التحالف “الخليج والأردن”
والباقي بيادق. أمريكا للشرعية، والباقي ملتزم بما تفعله أمريكا فهم من عشيرتها
وقبيلتها إن غزت غزوا.

ما الذي حصل؟ ولماذا هذا الهجوم “القاتل
أو المقتول” من قبل الدول العربية (السنية) كما وصفها الإعلام الغربي؟ ولماذا
لم يتدخّل كلُّ العالم من أجل إيقاف الحرب من أولها، وإسقاط النظام، فما كنا وصلنا
لا “لداعش” و لا “حالش” و لا غيرهما؟

سايكس بيكو تتفتت، الحدود السورية
العراقية التي أغلقها صدام حسين، وحافظ الأسد خمسة عشر عاماً، تبخرت. مجموعة من
الشباب تلتف حول قائد يحكمها فكر قتالي أخَّاذ تتحد في قوة مذهلة، وبأسلحة بسيطة،
وتتساقط المدن تلو المدن، بمن يذكرنا هذا؟ لنتذكر معاً؟ كيف تأسست ممالك الخليج
وإماراتها؟ وكيف تحالفت القوى الدينية الصحوية “الوهابية …. الأسرية”
لتشكل قوة ضاربة في الجزيرة العربية “قوات الهَجر” أو ما تسمى ”
قوى الصحوة الإسلامية” أسس فكرها ابن تيمية، وانطلق محمد بن عبد الوهاب بحركة
سياسية، ووصلت أخيراً إلى الملك عبد العزيز، الذي بعثها من جديد، فوحدت نجد، وضربت
على يد القبائل بيد من حديد، وأسست المملكة العربية السعودية.

الأسلوب نفسه مع الاندفاع نفسه، مع
العقيدة نفسها، و طريقة التفكير، تكفير الآخر، واعتباره مارقاً ومرتزقاً أياً كان،
يكفي أنه آخر، تكفير “الإسلام الحجازي” الذي كان تحت إمرة الشريف حسين آنذاك،
واعتباره “ليس مسلماً حقيقيا” إضافة لتواجد قائد محنك وذكي هو عبد
العزيز آل سعود الذي استطاع أن يوحّد مئات العشائر، والقبائل المتناثرة تحت حكمه
بطريقة أخَّاذة، ويؤسس المملكة العربية السعودية الحديثة.

إنه أمرٌ جللٌ، إذاً: المسألة لا
تتعلق بمفهوم الجهاد لوحده ولا بمفهوم مقارعة العدو لوحده، ولا بمفهوم (الإرهاب)
آخر ما تخاف منه دول العالم “الإرهاب” لأن أي عملية إرهابية في العالم،
تحصل، تخدم النظام الحاكم، أي نظام حاكم، لأنها تزيد من شرعيته، وتجعل الشعب يلتف
حوله.

إذاً: هو الخوف الجدّي من حركة جديدة
ناشئة “صحوة جديدة” تؤَسَّس على أسس جديدة، وتكتسح مناطق واسعة من
السيطرة النفطية، معززة بتدفق شبابي مخيف في مواجهة أنظمة، لا يمكننا أن نقول عنها
عجوزة، ولكنها لأنها دول راسخة، أصبحت قدرتها على المناورة أقل سرعة وجدوى وحيوية.

انطلق تنظيم الدولة في منطقة عشائرية
ذات لون طائفي واحد تقريباً، ولكنها شديدة الميل العشائري، وبعيدة كل البعد عن
مفهوم الليبرالية، أو التعددية، أو الديمقراطية لذلك سرعان ما تشكلت ميليشيات على
أساس قبلي، وذات مصالح متباينة، أمكن السيطرة عليها من قبل قوى خارجية.

تنظيم الدولة الإسلامية قلب الطاولة، واستولى على هذه المناطق بسرعة، وأخضع
القبائل عن طريق أبناء القبائل أنفسهم. واهمٌ من يعتقد أن تنظيم الدولة الإسلامية
مكوَّن من “المقاتلين الأجانب” وحسب، جل المقاتلين من الشباب السوري
المؤدلج إسلامياً، والجاهز فوراً لينقلب، ويصير في صفوف هذه الدولة كما عبد العزيز
بن سعود، تربّص، وترك أعداءه يفتكون ببعضهم البعض. كذا تنظيم الدولة الإسلامية فعل.

ثلاث سنوات، وهو يسمع الاتهامات في
أذنه، ويسكت.

لم يشترك في المعارك الكبيرة، ولم يستنزف طاقاته.
صبر بينما خصومه، وأعداؤه يفتكون ببعضهم البعض.

الجزيرة العربية هي المنطقة الواقعة من طوروس
شمالاً إلى عدن جنوباً. كان يكفي أن تسقط حلب، أو دمشق أو حمص بيده، حتى لا تردُّه
عن التمدد الواقعي والحقيقي.

أية قوة حتى لو كانت قوة عظمى، كان سيستطيع أن
يبني تفاهمات سريعة مع القوى الغربية حول النفط، وأمن اسرائيل. ويلتهم كل يوم دولةً
أو مدينةً أو كياناً من كيانات سايكس بيكو.

بقوة الاندفاع، سيطر الملك عبد
العزيز رحمه الله على الرياض عام 1902 وبقوة الاندفاع فقط، سيطر على الإحساء عام
1913 وبقوة الاندفاع أيضاً، وشباب مؤدلجون يحملون فكر تنظيم الدولة الإسلامية نفسه
من حيث إطاعة الحاكم، سيطر على حائل عام 1917 لدرجة أن الوثائق الإنجليزية تعبر عن
اندهاشها لقدرته على التمدد “بقدراته الذاتية” هكذا وصفت الوثاق
البريطانية بالضبط.

استطاع الملك عبد العزيز آنذاك أن
يحول القبائل التي عاشت على السلب والنهب لقرون عديدة إلى قبائل وادعة وحضرية. حيث
أغدق عليها من مال النفط بينما الشريف حسين رفض أن يكون هناك أية شركة نفطية، وفي
الوقت الذي كانت العشائر تتاجر بالنفط، وتسرقه كان تنظيم الدولة الإسلامية يأخذ
النفط ليبيعه للنظام، ويغدق على مقاتليه، تاريخ يتطابق بشكل مذهل.

الآن الصراع السعودي الإيراني أُجِّل، التركي هادئ،
وهو اليوم يطبق المثل القائل “يلي ببيت أهلو على مهلو” والأمريكي غير مستعجل، والروسي اختفى في جحره
حيث قبض ما قبض، وشركات النفط العالمية تتلاعب بكل ما ذكر أعلاه.

ما الخارطة
القادمة؟ لا تغيير، لأن العالم لم يجد حتى الآن خارطة أفضل من سايكس بيكو.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *