سالم
عدلي المحمود
رغم أن شهر أيلول من الأشهر المحببة لدى
الناس كلِّهم، فهو شهر مفصلي بين الصيف والخريف، وفيه الكرم يعتصر، بحسب الشاعر
المجيد “سعيد عقل”.
ومع أيلول يبدأ موسم المطر، وعلى إثره
مباشرة، يجري قطاف الزيتون، ومع قدوم أيلول،يعود التلاميذ إلى مدارسهم. وفي أيلول أيضاً
كثير من الأشياء الجميلة المفرحة التي لا مجال لذكرهاالآن.
لكنَّ أيلول ككلّ أشهر السنة،وأيامها،
قد غدا للعرب شهر حزن وأسى.ففي عام سبعين وتسعمئة وألف أطلق الفلسطينيون على أيلول
لقب الأسود بسبب معاناتهمما ارتكبه جيشإحدى الدول العربية بحقهم.. وازداد الشهر سواداً
في الثامن والعشرين منه، إذ توفي الزعيم العربي جمال عبد الناصر الذي لم يحظ زعيم عربي
مثله بمحبة مواطنيه، بل بمحبة الشعوب العربية كلها، بغضِّ النظر عن مواقف
السياسيين من سياساته وممارساته..!
وكان يُعْتَقَدُ أنَّ جمال عبد الناصر،
سيقود أمةَ العرب نحو إعادة أمجادها الغابرة،وهو الذي امتطى،وبجدارة، صهوة مرحلة كان
فيها ضعفاء العالم ومضطهدوه يتوهّمون أنهم ذاهبون إلى قطاف ثمرات أحلامهم. ولكنَّ شكل
الحكم الذي مارسه الرجل، وبغض النظر عن مبرراته،آنئذ، لم يقد في المحصلة النهائية،
إلا إلى الهلاك الذي تعيشه شعوب الأمة العربية، من محيطها إلى خليجها هذه الأيام..!
ولعلَّ سخرية القدر أن يأتي موت الرجل
في نفس اليوم الذي حدث فيه انفصال وحدة عام 1958 بالانقلاب العسكري الذي قام في
سورية “الإقليم الشمالي”، وبعد أنْ ساهم عبد الناصر نفسه في رأب الصدع
الذي حدث ما بين منظمة التحرير الفلسطينية، حديثة التكوين، والحكومة الأردنية
آنذاك.. وكان الانفصال أول ظاهرة انتكاس لتوهج أوهام الصعود في أوجسطوعها، أعقبته
بعد ست سنوات هزيمة الـ 67 ليموت الرجل بعد ثلاث سنوات،وهو في عز عطائه، إذ لم يكن
له من العمر غيراثنين وخمسين عاماًفقط.
لعلَّ استذكار أيام عبد الناصر الآن يأتي
بدفع قوي مما يجري حالياً من أحداث مؤلمة، تطول البلدان العربية الأكثر قرباً من
فكر الرجل، ومن أسلوبه في الحكم..وهي أحداث تأتي في سياق الانحدار نفسه الذي خلَّفه
ارتداد موجة الصعود العربي التي سطع فيها نجم عبد الناصر، وسطع معه مشروع نهضة
العرب الذي قال به معظم مفكريهم وقادتهم السياسيين.كما أنَّ استذكار تلك الأيام يعيدطرح
السؤال المهم، وهو:
لماذا فشل العرب في مشروعهم القومي النهضوي الذي
اتخذ من الفكر التنويري متكأً له؟!
لا شك أن جمال عبد الناصر كان قائداً
صادقاً فيما يحمله من قيم وطنية وقومية، وما تنزع إليه نفسه ورغباته من تلبية لحاجات
شعبه السياسية والاجتماعية، ولاستعادة أمجاد العرب على أسس عصرية في التحرر
والتنمية، والنهوض بالأمة. وقد ترك آثاراً قيمة على أكثر من صعيد..!والرجل على
الصعيد الشخصي لم يسعَ إلى أية مكاسب خاصة له أو لأسرته، وأبداً لم يمارس في سلوكه
الاجتماعي ما يشينالأعراف والأخلاق..
إذاً: لماذا فشل عبد الناصر،كشخص جعلته مجمل
الظروف التي أحاطت به رمزاً عملياً أو تطبيقياً، على نحو أو آخر،لمشروع نهضة العرب
أو إنهاضهم، وأُفْشِل معه ذلك المشروعالذي لا يماري فيه أحد على أنه مشروع طموح
الشعوب العربية جميعها، بل هو حاجة موضوعية لها. وتعدرغبة عبد الناصروممارسته، وهو
ابن مصرالمعدودة إضافة إلى لبنان وسوريامهداً لبذور ذلك المشروع، ترجمة واقعية لحصيلة
ما قدَّمه المفكرون العرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى نهايةالحرب
العالمية الأولى،على صعيدي العمل السياسي والاجتماعي، ناهيكم بما تملكه مصر من
إمكانياتاقتصادية، ونفوذ سياسي في المنطقة العربية، إضافة إلى أنَّ الظروف الدولية
كانت أكثر ملاءمة، فبعد الحرب العالمية الثانية، انقسم العالم إلى معسكرين،مال أحدهما،
وهو من أبرز المنتصرين في تلك الحرب، إلى مساندة الشعوب المتخلفة التي لديها مثل
هذا الطموح..
ثمة إجاباتٌ كثيرة، عن هذا السؤال
المعلَّق منذ عقود، وثمة دراسات مستفيضة حوله.. وفي الإجابات هناك من يعزو الأمر
إلى الإرث الفكري المتخلف،وتحديداً الفكر الإسلامي السلفي الذي أطره بعض الفقهاء
في أنماط ثابتة دون النظر إلى حركة الحياة، وتبدلاتها على مدى نحو ألف وأربعمئة
عام،فحوربت، على أساس ذلك جميع المحاولات الذاهبة إلى السير مع حركة الحياة، ووفق معطياتها
الجديدة، ولم تزل المعارك طاحنة ضد كل تجديد أو تحديث لتلك الأنماط، وإن استعان المجددون
على الجمود الذي لدى خصومهم، بما في الدين نفسه من حجج وبراهين مستمدة من آيات
وأحاديث صريحة بينةلا تقبل اللبس ولا التأويلالمتعدد.. وبقي الفكر السلفي المتزمت
بعيداً عن معطيات الحضارة الفكرية والعلمية، ولم يتبنّ أياً منها، رغم تعاطيه
استهلاكاً مع منجزاتها من أدوات ووسائل حياتية مختلفة، وقد وقف مكفراً لمن آتاهم
الله عقولاً أكثر نمواً واستنارة، كما نشهد هذه الأيام،بل منذ عقود أيضاً، تنامياً
لفكر القاعدة.. ولا يغيب عن الذهن في هذا الجانب دور معظم الحكام حتى من يزعم
العلمانية منهم،فهم، في الحقيقة، يريدون للمجتمع أن يبقى أسير قيودتلك الأفكار
التي تخدم بقاءهم في السلطة، ولذلك تراهم يفصلون المناهج التعليمية على هذا أساسها..
ويعتمدون كذلك حملتها تحت عمائمهم!
وثمّة من يعلق الأمر على مشجب الغرب
الاستعماري الطامع في خيرات البلاد وموادها الخام، فهو الذي يشجع هكذا فكر للإبقاء
على التخلف والتبعية.. وهو الذي، أي الغرب بما فيه أمريكا طبعاً، زرع إسرائيل
لتكون حجر عثرة، ومانع نهوض، ومبدداً للطاقات العربية في مجالات غير مجدية، وغير
ذلك الكثير مما يقال، ومن المؤكد أن ثمة نصيب ما لكل جانب مما ذكرته.. لكن السبب
الأكثر وضوحاً، هو غياب الديمقراطية،هذا ما أكدته الأحداث والوقائع.
ولست الآن في وارد تشريح مساوئ الأنظمة
الاستبدادية الإقطاعية وانغلاقها على العالم والحضارة،فكلنا يعيش وبالها ومآسيها.
كما أنني لست بصدد تعداد فوائد الديمقراطية بما تتركه من نشاط وحيوية في المجتمع،
وبما تفتحه من أفق أمام تفتح الإبداع وتناميه..الإبداع الذي يمكن الاقتصاد من
النمو والاقتصاد النامي هو قاطرة الحضارة اليوم ودائماً.. لكنني أود الإشارة إلى
أنَّ أجواء الديمقراطية هي الوسيلة الناجعة لا للإشارة إلى الأخطاء
المتراكمة في مجتمعاتنا العربية، وكفى الله المؤمنين شر القتال،كما هو حال معظم
الأحزاب التي تزعم الثورية والتغيير، بل إلى معالجتهاوتجاوزها بما تمتلكه علنية
الديمقراطية من قوة وبأس..ولذلك أرى أن الديمقراطية اليوم هي شعار وطني في المقام
الأول، وتبنيه والنضال من أجله هو المعيار الأول، والرئيس لكل ما هو وطني وقومي
واجتماعي وديني أيضاً،وعبره فقط، يمكن العبور نحو النهوض بالمجتمعات وبالأوطان
والأمم..ومن جهة أخرى، ولمن يقول:
إنّ الديمقراطية هي ابنة اقتصاد نام متطور، ولا
تناسب مجتمعاتنا المتخلفة، أقول:
نعم هذا صحيح، ولكن الاقتصاد النامي
المتطور باطرّاد هو ابن الديمقراطية أيضاً، أي ثمة علاقة جدلية بينهما.. وفي هذا
المجال، وتأكيداً لما أذهب إليه، ولمن يشاء أقول:
يمكن العودة إلى خمسينيات القرن الماضي
لأخذ درس من الاقتصاد السوري الناهض، حينذاك، خطوة بخطوة إلى جانب الديمقراطية
وسعتها، ولندرك أيضاً أن العسكر والعسكرة هما أسُّ التخلّف والبلاء على الأصعدة
كلها، وأولها الصعيد الذي وجدت من أجله العسكرة، أي حماية حدود أوطانها،لا أن تكون
سيفاً مسلطاً بيد المستبد، على رقاب شعوبها، أو شريكاً في استعباده،وحسبنا هذا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث