حسام الجبلاوي/
بعد أسبوع على أعنف تفجيرات هزت الساحل السوري، بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها بشكل تدريجي في مدينتي طرطوس وجبلة، بالتزامن مع تشديد أمني كثيف، وتشييع للقتلى في كلا المدينتين.
تبنى تنظيم” الدولة الإسلامية” المسؤولية الكاملة عن التفجيرات في كلتا المدينتين، والتي أدت بحسب أرقام رسمية، إلى مقتل 154 مدنيا، وإصابة عشرات الجرحى. حيث أعلن التنظيم في بيانه الذي بثته “وكالة أعماق”، أن العملية جرت عبر 10 مقاتلين قسموا لمجموعتين، نفذوا عمليات انتحارية، وفجروا سيارات مفخخة في كراجات المدينتين، ومشفى جبلة الوطني، وشركة الكهرباء، والضاحية القريبة من كراج طرطوس.
ومن الملفت للنظر أسماء منفذي العملية التي أعلنها التنظيم توضح انتماء معظمهم للمنطقة الساحلية والمدن التي جرت بها التفجيرات، مثل “أبي عبد الله الطرطوسي”، و”أبي جليبيب تل كلخ”، و”جراح البانياسي”، و”أبو تمام الساحلي”، و”أبو مالك الجبلاوي”، و”أبو يزيد اللاذقاني”.
وبحسب عضو “لجان التنسيق المحلية” في مدينة جبلة، أبو ملهم جبلاوي، فإن “من بين القتلى أطباء وممرضين سقطوا نتيجة تفجير أحد المسعفين نفسه داخل المشفى الوطني للمدينة. كما أن بعض القتلى هم من طلاب مرحلة التعليم الأساسي، حيث وقعت التفجيرات بالتزامن مع انتهاء الامتحانات. كما كان من بين القتلى ضابطين وعدد من جنود النظام ممن كانوا يتواجدون في الكراجات”.
“وفور التفجيرات أعادت قوات النظام الحواجز التي أزالتها من مداخل المدينة قبل أيام من التفجيرات، كما عززت الحواجز على طريق جبلة–اللاذقية المؤدي للقاعدة العسكرية الروسية، خشية تعرضها لهجوم مماثل”، بحسب الجبلاوي.
وحول ردود الأفعال، أوضح الناشط أن “المدينة خلت من الحركة تماما فور التفجيرات، والتزم الجميع بيوتهم خوفا من عمليات انتقام قد تطال أهالي المدينة والنازحين فيها”، وأضاف أن مثل هذه العمليات “جرت على نطاق ضيق وفردي، دون تسجيل حالات قتل في مدينة جبلة”.
هاجمت ميليشيات تابعة لـ”الدفاع الوطني” مخيم الكرنك للاجئين، وقاموا بإحراقه. كما أقدم أحد عناصر هذه الميليشيات على قتل سبعة مدنيين نازحين في حي الرادار
أما في مدينة طرطوس، فقد هاجمت ميليشيات تابعة لـ”الدفاع الوطني” مخيم الكرنك للاجئين، والذي تسكنه عائلات معظمهم من حلب وإدلب، وقاموا بإحراقه. كما أقدم أحد عناصر هذه الميليشيات على قتل سبعة مدنيين نازحين في حي الرادار، إثر سماعه نبأ مقتل أخيه في التفجيرات.
وامتدت عمليات الانتقام لإحراق محال تجارية وكولبات يملكها النازحون، وعمليات سلب واعتقالات عشوائية في أحياء أخرى، دون أي تدخل يُذكر للقوى الأمنية خلال اليوم الأول.
وقد لعبت بعض وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي دورا سلبيا في هذه الأحداث، حيث ظهرت عدة أصوات تحرض على طرد النازحين وتدعو للانتقام منهم لأنهم “قنابل متفجرة”، وفق بعض الصفحات الموالية، والتي روج البعض منها بعد دقائق من التفجير أن أحد الانتحاريين هو نازح من مدينة إدلب يسكن في وادي الشاطر بمدينة طرطوس، رغم تبني “تنظيم الدولة” لهذه العمليات.
وساهمت هذه الشبكات والمواقع الاجتماعية في نشر العديد من الشائعات التي عرّضت حياة النازحين للخطر، ودعا بعضها إلى إخراجهم من مدن الساحل. وكان لافتا التحريض الطائفي الذي تبناه البعض، كمهاجمة المنقبات بحجة أن من فجرت المشفى كانت منقبة، وهو ما تبين عدم صحته فيما بعد.
ساهمت بعض الشبكات والمواقع الاجتماعية في نشر العديد من الشائعات التي عرّضت حياة النازحين للخطر، بعد أن ارتفعت من خلالها عدة أصوات تحرض على طرد النازحين وتدعو للانتقام منهم.
وعلى الجانب الآخر ساهمت شبكات إعلام وناشطون إعلاميون في الساحل في تهدئة الأمور، من خلال التأكيد على أن “الإرهاب لم يستثن مدينة سورية، وأن النازحين هم ضحية كما ضحايا التفجيرات”، بينما أشار البعض إلى تحمل قوى الأمن المسؤولية الأكبر بعد انتشار الفساد على حواجز النظام.
وطرحت صفحة “سوريا فساد في زمن الإصلاح” على الفيسبوك، وهي إحدى الصفحات الموالية، تساؤلات لجمهورها من قبيل “عندما تستثنى السيارات المفيمة من التفتيش وممنوع توقف عالحاجز، وعندما زادت السيارات بدون نمر، وتحمل علم الوطن وممنوع تفتيشها وممنوع توقف عالحاجز، يجب ان لا نتفاجأ. وعندما نعلم أن ما تم إيجاده من أساليب سرقة بالقانون تحت اسم ترفيق وتسهيل عبور بدون تفتيش، كان يجب ان يحصل ما حصل”.
وفي سياق متصل، نقلت صفحة “دمشق الآن”، إحدى أبرز الصفحات الموالية للنظام السوري على فيسبوك، وصفحات إعلامية أخرى في الساحل السوري، شهادات وتأكيدات باختفاء عدد من جثث قتلى تفجيرات طرطوس وجبلة.
ونقلت صفحة “دمشق الآن” شهادة والد أحد قتلى التفجيرات، الذي يدعى “علي محمد لولو”، وقال فيها: “ولدي عليّ قُتل في التفجيرات التي ضربت مدينة جبلة، وتم نقله إلى مشفى الحكمة في المدينة، وحصلنا من المشفى على وثيقة رسمية تؤكد استقبالهم جثة علي”.
وتابع الوالد في شهادته: “لقد تعرفت أنا وأخي ورفاق ولدي على جثمانه، وكان غير مشوه أبدا، وكان مقتله بسبب شظية واحدة أصابته في مؤخرة رأسه في أثناء التفجير”.
وأوضح والد علي لولو أنه منذ التفجيرات “ونحن نتنقل بين مشافي اللاذقية وجبلة والقرداحة وبانياس والقدموس، لنبحث عن الجثمان من دون نتيجة، فلم نر أي أثر لجثة القتيل علي”، وفق قوله.
يُذكر أن آلاف النازحين ممن قدموا من مناطق ساخنة تشهد عمليات حربية خاصة من حلب وإدلب والرقة ودير الزور، يعيشون في مدينتي جبلة وطرطوس، في بيوت سكنية بإيجارات مرتفعة أو ضمن بعض المخيمات العشوائية.
ويعاني هؤلاء من بعض المضايقات أحيانا عقب سقوط أي مدينة أو حدوث تفجير، ويتهَمون من قبل بعض المليشيات الطائفية في الساحل بتغيير التركيبة السكانية في المنطقة، وبأنهم “قنابل موقوتة”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث