مرهف دويدري
في كثير من الأحيان، يأخذ النقد والنقد المضاد لفكرة ما أو
كتاب ما، شكل الجدل العقيم، الذي لا طائل منه في أغلب الأحيان إلا
تحدّي الآخر على حساب تلك الفكرة، سواء أكانت هذه الفكرة صحيحة أو خاطئة.إلا أنها
تأخذ حيّزاً كبيراً من الدفاع عنها،أو
الهجوم عليها.
وكلّ طرف من أطراف هذا السجال، يريد أن ينتصر لرأيه ودحض
آراء الآخرين على اعتبار أنه صاحب الرأي الصواب الذي لا يشوبه الخطأ، وربما تصل حد
الهجوم الشخصي. وفي أحيان أخرى تصل إلى درجة توجيه الشتائم انتصاراً للرأي.
لعل هذا النوع من الجدل، اصطلح عليه تسمية “جدل
بيزنطي” نسبة إلى عاصمة الإمبراطورية البيزنطية التي
يقال أن أهلها شغفوا بالجدل حول قضايا اللاهوت آنذاك حتى أنالإمبراطور”قسطنطين
الثاني” فرض عقوبات مشددة، لمن يدخل في هكذا جدل، لكن ذلك لم يثن أهل بيزنطة عن
هذا الجدل، وربما كان انتصار السلطان محمد الثاني الملقب بالفاتح الذي استطاع فتح
القسطنطينية عاصمة إمبراطورية بيزنطة بسبب هذا الجدل، الذي أخرج الإمبراطورية الأعرق
في التاريخ البشري من الخارطة التاريخية بعد سقوط عاصمتهم بيد العثمانيين.
فالجدل الذي
قادهم إلى إهمال الدفاع عن عاصمتهم هو “الملائكة ذكر أم أنثى؟والشيطان ضخم،
يستطيع أن يأخذ حيزاً كبيراً،أم هو صغير جداً، ويستطيع العبور من أي مكان” وانتهت
الإمبراطورية، وانتهى معها الجدل البيزنطي العقيم.
الحقيقة،أن بعض هذه السّجالات التي تطفو الآن على سطح
الحياة الثقافية والفكرية، ربما هي ذاهبة باتجاه الجدل البيزنطي الذي لا طائل منه،
وهذا الاختلاف حول موقف هذا المثقف من الثورة السورية، أو ما كتبه لا يمثل الفكر
الثوري المنشود، أو أن ذاك المثقف كان الطفل المدلل للنظام دون مواربة، وبالمقابل
هناك تسويق لفكرة المثقف المعارض من سنوات طويلة، وهذا اليساري وذاك اليميني الذي
لا يؤمن بالديمقراطية سبيلاً لدولة المواطنة.
وما يثير
الاستغراب أن معظم هؤلاء المثقفين الذين يُدار حولهم سجالات بيزنطية، هم من الذين
فارقوا الحياة منذ زمن بعيد، أو قريب لكنهم الآن في ذمة الله. ولايمكن له أن يدافع
عن فكرته،أو يراجع مواقفه التي اتخذها آنذاك، مصيباً كان أم مخطئاً!، فلا عودة عن
قرار بعد الممات، مما يدخل هذا الجدل في سرداب مظلم عقيم.
ما كتبه “السيناريست فؤاد حميرة” حول الكاتب والشاعر
“محمد الماغوط” على صفحته الرسمية في موقع “فيسبوك” يقول
حميرة : “والله كنت بعرف أنك مو بس ستخون وطنك ..وكنت
بعرف كمان أنك عم تخون فكرنا، وثقافتنا، وعلمنا، وتنشرلنا تفاهتك على إنها ثقافة
المستقبل …والله ما قرأتلك بعمري مقالة تشعرني بأنك مثقف أو منتج للثقافة ..مع
العذر من كل عشاقك”.
تحديداً
من هذا المنشور، بدأت المعركة والجدل العقيم بين فؤاد حميرة الذي يرى ما لا يراه
الآخرون في محمد الماغوط من إشكاليات، والمدافعين عن الشاعر الذين بدأوا حملة
الهجوم الكاسح على الكاتب فؤاد حميرة، والرد العنيف من حميرة على مهاجميه، حتى
دخلت هذه القضية في نفق مظلم، ربما لن ينتهي في وقت قريب.
يذكرنا
هذا الجدل العقيم بعد وفاة الشاعر سليمان العيسى الذي أخذ منحى طائفياً وإيديولوجياً
بحتاً، فمن وجّه الاتهام للشاعر آنذاك أنه من الطائفة العلوية، ومن البعثيين القدامى،
هو نفسه كان يقبع في مكتب إعلامي لإحدى وزارات النظام على مدى سنوات، وكان – حسب
منتقديه – كتلة فساد، وهنا أعني الكاتب “نجم الدين سمان” وحسب المفهوم
البيزنطي الشهير.
لن نرى نهاية لهذا الجدل العقيم الذي يبعدنا عن
الفكرة الأساسية، وهي أن هذا الكاتب أو المثقف هو حصيلة جهد إنساني طويل، استطاع أن
يداعب الوتر الصحيح داخل كل إنسان منا، فأحبه، وصعّده إلى درجات الشهرة العالية إذاً:لماذا نجرّد مثقفينا عباءة الحب
لمهاجمتهم من أجل جدل بيزنطي لا طائل منه؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث