الرئيسية / سياسي / سياسة / تقارير / أبعد من الـ “توماهوك” والـ “الكروز”

أبعد من الـ “توماهوك” والـ “الكروز”

سالم عدلي
المحمود

الشعب السوري فَرِحٌ
اليوم بما يجري على أرضه، نعم أؤكد أنَّ الشعب السوري، وبأغلبيته الساحقة، في الداخل
والخارج، فرح بما تقوم به أمريكا من عمليات عسكرية، عنوانها: “مكافحة الإرهاب
الداعشي”.

أمّا محتواها فسرُّه عند الله، وفي آبار النفط.
ويدرك الشعب السوري جيداً أن ما تقوم به أمريكا سواء لوحدها، أو مؤتلفة مع غيرها
من العرب، وغير العرب، هو عدوان فاضح على أرض وطنه، ويدرك الشعبُ السوريُّ أيضاً
أنه وحده من سيدفع ضريبة هذا العدوان، لا معاناة حرب جديدة فقط، بل ربما نتائج
سياسية ما زالت معالمها مجهولة..!

نعم، إن الشعب
السوري رغم عراقته، ورغم حذقه وذكائه، ورغم وطنيته المعهودة والمشهود له بها على
مدى تاريخ دولته الحديث، ورغم، وهو الأهم، عدائه التاريخي لأمريكا بسبب مساندتها لإسرائيل
التي لا تزال تحتل أراضيه إلا أنه فَرِحٌ اليوم، بل هو مبتهج..! ولكن لماذا؟! وهل
يفرح شعب بمصائب تُضاف إلى مصائبه وويلاته؟

نعم إنَّ الشعب السوري المكبل، والعاجز عن فعل
أيِّ شيء يمكنه من الإمساك بمصيره، ومصير وطنه. الشعب الذي حاصرته الآلام والجراح
ونزيف الدم وهول الفجائع، وعمق الخراب والدمار.. الشعب الذي أنهكته الحرب العبثية
على مدى ثلاث سنوات ونصف السنة.. الشعب الذي عانى من ظلم حاكميه أكثر من معاناته ظلم
أعدائه، فرح اليوم إذ لم يبقَ أمامه من خيار للخلاص غير هذه القشة التي لم يكن له
فيها خيار.. القشة التي قد يظنُّها الغريق قارب نجاة.. وهي ذاتها التي تكمن عندها مأساة
الشعب السوري فيما أعتقد..

أما المضحك المبكي في هذه المأساة/ الملهاة، وبما
يخص النظام تحديداً، فهي أنَّ النظام الذي رفض المبادرتين العربيتين في العامين
2011 و2012 واستطاع أن يتملّص بمعونة حلفائه الروس من جنيف 1 وجنيف 2 سيقبل اليوم ربما
بأقل منهما مرغماً وذليلاً أيضاً.. ولو قدر للمبادرتين عبر جنيف، أن توضعا، في ذلك
الوقت، موضع التنفيذ، لكانتا أنقذتا الشعب السوري من كلِّ الويلات التي ألمت به، وأنقذتا
النظام من كل ما تورّط به، لكنها عنجهيةُ الاستبداد، والاعتداد بالقوة، والتمسك،
لا بالسلطة فحسب، بل بعدم الاستعداد للتنازل عن ذرة واحدة مما في يد الحاكم، الأمر
الذي يثير الشبهة حول الحاكم نفسه، وطبيعة سلطته، وأفعاله البعيدة عن مصالح الشعب
والوطن.

وإذا كان النظام
في ذلك الوقت، ولم يزل حتى وقت قريب، قد اتَّهَم المعارضة بالخيانة، وتسعى لخدمة مصالح
أمريكا وإسرائيل وسوى ذلك، فماذا يمكننا اتّهام النظام الآن الذي يلهث خلف
الأمريكان والعرب الذين عدَّهم أيضاً متآمرين عليه؟! يلهث خلفهم لمشاركته “الحرب
على داعش” وكأنّهم يجهلون أنّها تمدّدت تحت ظلال حكمه، وأمام نظر عينيه، ومع
ذلك يعلن أنه يحارب الإرهاب منذ أربع سنوات.

الآن يضع نفسه وإمكاناته تحت قيادة الأمريكان
أنفسهم، ولكن ما يضحك فعلاً أن الأمريكان لم يكترثوا به. ولا يعد ذلك الإخبار شكلاً
من التنسيق، ولا نوعاً من الاحترام، وربما جاء بتملُّق من الروس الذين صمتوا مع
حلفائه بعد أن امتطوا حماقاته، ونزعاته الفردية السلطوية، وحققوا ما حققوا من
مصالح خاصة بهم، فما زالوا، إلى الآن ينفخون الهواء في قِرَبٍ مثقوبةٍ..! أتراه
أدرك أنهم عرضوه للبيع في بازار النفاق السياسي، ومن أجل المصالح ذاتها، فهرول يعرض
نفسه، هذه المرة، دونما سماسرة، ولا وسطاء، لكن في وقت، كان فيه السيف قد سبق العذل؟!

أما الآن فما
الذي يمكن توقُّعُه بعد أن دخل الأمريكان، ومعهم جلّ العربان بجواز مرور ممهور
بختم الأمم المتحدة، وبتجاهل كلي للروس والإيرانيين، أو بموافقة ضمنية منهما! وما
الذي يمكن أن نتوقعه من النظام وممّن حوله؟! أتراه يبقى على تماسكه، وتعاضده حكومة
وجيشاً و”طائفة” وحلفاء لم تجمعهم غير المصالح المتناقضة التي يبدو أنها
وصلت إلى منتهاها في الاستلام والتسليم؟! فهل ترى المترقبين يشهدون انشقاقات مؤجلة
إلى مثل هذه الوقت.. انشقاقات ذات وزن تأتي أُكُلُها في الحال على شكل انقلابات أو
اغتيالات.. أم إن الحالمين وهماً بأنَّ كل شيء باقٍ، على حاله، سيبقى، ولن يطول
التبدل إلا الشكل الخارجي فقط.. مهما يكن من أمر، فإن الأيام القادمة ستكشف كل
شيء، وما علينا إلا التريُّث والانتظار، ومن ثّمَّ الفرجة والمتعة المجانيتين..! ويبقى
أن نقول:

إن هذا الشكل العسكري، مهما بلغت قوته، ودقة
إصابته لأهدافه، فلن يستطيع القضاء التام على داعش أو أيِّ من أخواتها وأصحابها! وبكلمة
إنه لن يكون قادراً على اجتثاث الإرهاب، وفكره المتطرّف من جذوره..! قد يعمل على
تقليم أظافره، وعلى الحدِّ من امتداده وتطوره، ولكنه أبداً لن يجهز عليه.

فمشكلة هذا النوع من الإرهاب في فكره الذي
تجاوزه الزمن، ووجود فكره من وجود المناخ أو الوسط الملائم لنموه الدائم.. وما هذا
الوسط، في النتيجة، إلا التخلف الشامل الذي يرافق الاستبداد على الدوام.. إنه يكمن
في فقدان الحرية التي سعى نحوها المتظاهرون السلميون منذ الثامن عشر من آذار 2011
الحرية التي تسمح بتجاوز التخلف الناجم عن الاستبداد السياسي الذي يكبّل طاقات
الشعب، ويمنع تفتح إبداعه.. إنه يكمن في ضرورة نقل البلدان التي يتكاثر فيها هذا
النوع من الإرهاب إلى بلدان عصرية مدنية ديمقراطية، تأخذ بالتعددية الحزبية، وتعيد
السياسة إلى المجتمع، وتحدّ من سلطة أجهزة القمع الأمنية، وترتقي بمستوى التعليم
الذي يأخذ بمنجزات العصر.. تعليم يتطلع نحو المستقبل ولا يمتح من الماضي، تعليمٌ
يمنح الاقتصاد دفقة نموه وازدهاره، ليسمح في وضع جيل الشباب في مكانه الصحيح
والسليم، فيحدُّ من بطالته، ومن دفعه ليقع فريسة داعش أو غيرها، ولا شك في أن
الدول الغنية والعظمى تتحمل مسؤولية ما في هذا الجانب المهم..!

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *