يحار السوريون على أيّة أرض تحطُّ رحالهم، إن كان ثمة رحال أصلاً، فهم مشتتون في بقاع الأرض يبحثون عن وطن جديد، ليس مأوى مؤقتاً كما يظنُّ البعض، بل وطن جديد، ليس فيه النوفرة ولا حلاوة الجبن، ولا الباميا الديرية، ولا الزيتون السلقيني ولا الفستق الحلبي، وطن جديد يحملهم إليه البحر في هدوئه وهيجانه، فيوصل من يوصل، ويبتلع من يبتلع، حيث هناك في الأعماق أيضاً وطن آخر للسوريين، بعد أن ضاق عليهم الوطن العربي، ومتى كان الوطن العربي متسعاً أصلاً، فهو ومنذ أن أُطلِقَ عليه هذا الاسم كان ضيقاً، وأضيق من سجن صغير، فحدوده ملتهبة، وسجانوه قساة لا قلوب لهم.
يفرُّ السوريون إلى البحر، فهناك تنتظرهم قوارب الموت أو قوارب الحياة الجديدة، سمِّها ما شئت فحين تنتهي الرحلة ستتلاشى جميع التسميات، ويبقى السوري وحيداً هناك على الضفة الأخرى، حيث بدأ يتشكل هنا جديد، هناك بعيداً حيث كل شيء مختلف، فلا صوت الأذان يعلو ليذكر الناس بالجامع الأموي، ولا بائع الغاز يجوب الطرقات ناشراً صخبه، لن تتذكر هناك أي شيء هنا، أيها السوري، رتّب انتماءك الجديد بهدوء وحذر، فأنت ذاك الحامل أسطورة قدموس، لم تأتِ إلى هنا لا لتعلم الناس الأبجدية، ولا لتعلمهم أي شيء، بل جئت لتتعلم منهم كيف تصبح مواطناً جديداً، صالحاً للحياة؟ بعد أن سحبت ثلاث سنوات ونيّف طعم الحياة من فمك، ولم تتذوق سوى طعم المرارة وأنت تراقب مدينتك وقد أصبحت خراباً، وتراقب أصدقاء طفولتك وقد فروا سريعاً إلى السماء شهداء آمنوا بقضية أو لم يؤمنوا بأي شيء، لكنهم كانوا جالسين في بيوت لم تعد آمنة، فاختاره صاروخ أعمى لينقلهم إلى الأعلى هناك، بعيداً أيضاً، حيث السماء تفتح أبوابها مشرعة للسوريين.
ينظر السوري إلى وجهه في المرآة، هو الشخص نفسه الذي كانه قبل ثلاث سنوات ونيف، لكنه الآن مختلف تماماً، ما هذه المدينة التي بتُّ مواطناً فيها، من هؤلاء الأشخاص الذين يمرون أمامي؟ هذا الحلاق لا يشبه أبا علي الحلاق، بائع الخضار هذا ليس أبا جاسم، هذه المرأة التي تبيع الخبز شكلها غريب، تتكلم كلاماً غريباً، ماذا جئت تفعل أيها السوري هنا؟ من أوصلك إلى هنا؟ أوصلك البحر الغاضب نفسه الذي التهم منذ أيام شقيقك وأسرته، لم يرغب البحر بأن تجتمعا في بلاد غريبة، كي تتذكرا أيام الحارة وبنت الجيران التي كانت تحبكما لكنها تزوجت رجلاً آخر، لم يرغب البحر أن تجلسا في هذا المقهى الغريب معاً “كي يؤنس الغريب وحشة الغريب” ويحار السوري، ولكن ماذا جئت أفعل هنا؟ ولماذا لم أعد هناك؟ وتتداعى صور هناك جميعاً، ذاك الشارع، تلك المدرسة، ذلك الجار، البيوت، الأزقة، أشجار الزيتون، أشجار النخيل، هناك، أم هنا؟ يجلس السوري منتظراً بفارغ الصبر أمام شاشة التلفزيون يبحث عن خبر جديد، يا وطني يا سورياي، تتداعى الأخبار كما الصور، قتلى ومصابون، انفجارات، اغتيال، دمار، قصف، ذبح، نزوح، هجرة، هجرة، يكرر التلفزيون كلمة الهجرة، ويظهر السوريون متعلقين على حافة قارب، يا هذا القارب احملنا إلى هناك، تضيع الحكاية، أهنا هناك؟ أم هناك هنا؟ وهل أنت هناك أم أنت هنا؟ هناك حيث ما زالت أمٌّ أثقلتها السنون والفقدان تحاول أن ترتب ما تبقى لديها من صور العائلة التي كانت قبل قليل تجتمع في ذلك المكان الذي صار خراباً، كانوا يضحكون، تصل أصوات ضحكاتهم إليه هنا، ومن أنت حقاً أيها السوري الذي نجوت من الموت هناك، ولم يأخذك البحر مثل شقيقك إلى الأعماق؟ من أنت أيها السوري الناجي، هل أنت السوري نفسه الذي يقف منتظراً دوره في قافلة الموت، أم أنت السوري الجائع الذي لم يجد في البيت لقمة خبز يطعم بها عياله؟ من أنت أيها السوري الآن؟ وماذا تبقّى منك؟ ولِمَ جئت إلى هنا؟ ماذا جئت تفعل هنا؟ يحار السوري، وهو يراقب أطفاله يلعبون في الحديقة هنا، ويراقب على التلفزيون صور أطفال، وقد تمزّقت أجسادهم، هل تبحث عن الإجابة في وجوه هؤلاء الأطفال؟ تنتظر منهم أن ينقذوك، ويعيدوك إلى هناك؟ وهل بقي هناك شيء كي تعود إليه؟
يحار السوري، وهو يروي حكايته لصغاره، أنا لم أخرج، أنا ما زلت هناك، قلبي الساكن بين ضلوعي ينبض هناك، لكنك هنا يا أيها السوري، أنت لم تعد هناك، تتوقف عقارب الساعة، يحاول أن يصحو من إغفاءته، يمسح عينيه بماء الصبح، ويبحث، يطل من النافذة هنا لكنه لا يرى هناك، إنه يرى هنا فقط، هنا حيث العالم مليء بتفاصيل لا يستطيع تذكُّرَ شيء منها، بحكايات لا يستطيع أن يرويها.
تقول الحكاية: خرج السوري ذات صباح إلى الشارع، هتف السوري بصوت واحد، سوريا، حرية، وتقول الحكاية: انقلب القارب الذي كان يحمل المهاجرين. ومات الجميع، وتقول الحكاية: هناك بعيداً يجلس سوري واحد يحلم، ثمة عصفور طار، وطار، وحطَّ على شجرة في الشام، وغنّى: يا مال الشام ويا الله يا مالي.. طال المطال يا حلوة تعالي.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث