حافظ قرقوط
في خطواتٍ متسارعة، لا تترك مجالاً للتساؤل حولها، بل تضع الجميع على مسار التعامل معها، قامت الولايات المتحدة وبعض أوروبا بإعلان تسليح سريع للبيشمركة الكردية، وأعلنت إيران أيضاً عن غرفة عمليات مشتركة مع البيشمركة، وأيضاً تقديم العون والسلاح، وذلك في مواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش).
لقد تُرِكَ هذا التنظيمُ يتمدّد، ويأكل الجغرافيا، ويرتكب المجازر هنا وهناك، ويسيطر على بعض اقتصاد النفط، ويتبادل الخدمات مع نظامَيْ الأسد والمالكي، واستطاع محاصرة الجيش السوري الحر في أكثر من منطقة، وإبعاده مع العديد من التشكيلات الثورية.
لم يصطدم هذا التنظيم بجيش الأسد، ولم يتبادلا التُّهم، ولا التَّوعُّدات طيلة أشهر تمدده، وكانت كلُّ المعطيات تشير إلى أن هذا التنظيم المتشدّد والمتعاطي مع النصوص الدينية بعين سوداء تثير العالم، غرباً وشرقاً على ديننا الإسلامي. تشير تلك المعطيات إلى أن كواليس الأمن هي التي أعطته كلّ مقوّمات الظهور والقوة والتحرُّك، الهدف من ذلك كان واضحاً بالنسبة للسوريين، وهو تقاطع المصالح العربية الرسمية والفارسية والدولية لإجهاض الثورة وأخذها إلى مواقع الاتهام، وإبعاد التعاطف الشعبي، العربي والعالمي عنها للوصول بالشعوب إلى لحظة تكفر بها حتى بسماع كلمة ثورة، فترضى بحكامها من خلال فاتورة يدفعها السوريون.
ليست بريئة، بالتأكيد كل تلك السياسات التي ماطلت بدعم السوريين أو بمساعدتهم على الخلاص من طاغية يحمل كل هذا الحقد على شعبه ومدنه، بل كان يرتكب كل مجازره بثقة واطمئنان. في هذا التحالف الذي تشكل على عجل، كما بدا لنا، أسرارٌ تعيدنا إلى تلك البدايات؛ عندما صرخ السوريون مستنجدين بأمتهم العربية ومتأملين بأن تلتقط الإشارات التي تخرج من تلك القيمة التاريخية لثورة الكرامة السورية، فإيران التي لم تترك فرصة منذ أن رحل الشاه، وجاء الخميني دون أن تستغلها لتهشيم المجتمعات المحيطة بها، وخاصة مجتمعنا العربي، وأول فعل قامت به هو السطو على قضية العرب الأساسية؛ فلسطين، بسرقة شعاراتها لتسويق نفسها للوجدان الشعبي العربي. تمددت في سوريا ولبنان خلال عقود، وفي بعض التنظيمات الفلسطينية أيضاً، وعملت على كلّ المستويات، بما فيها الإعلام، بإيقاع منضبط يسير لهدف واحد؛ هو تفخيم الدور الإيراني وتهشيم المجتمع العربي عبر خلط أوراقه وإضعافه. لم تتعاطَ الدول العربية بجدية مع هذا السرطان القادم من الشرق، بل تعاطت إسرائيل من خلف الستار مع هذا المشروع الفارسي، وتبادل الطرفان المصالح والخدمات التي تغتال العقل والإرادة العربية.
كانت ثورتنا السورية فرصة عظيمة للمنظومة العربية لتتلقفها، وترعاها، وتضمن نجاحها بأقلّ خسائرَ ممكنةٍ، فالجغرافيا السياسية في هذه المنطقة، من البدهي أن تشير إلى أن الثورة السورية هي حاجة عربية ملحة، وهي المعين للدول العربية، وبالذات الخليجية، لإعادة الإمساك بزمام المبادرة، ونظام الأسد الذي لعب دور المخرّب في قضايا العرب، وفي ثقلهم السياسي، هو ذراع إيران الأطول في المنطقة، وتكفي تجربتهم معه في لبنان ليستخلصوا النتائج الإيجابية لرحيله. إيران التي عرفت طريقها للتعاطي مع أزمات المنطقة، وتجييرها لمصلحتها، أصبحت هي صانعة أزمات أيضاً، باستثمار وبيع الخدمات للسياسة العالمية وبالذات الأمريكية، وبدا واضحاً أن أميركا أصبحت تبيع المنظومة الخليجية ملفات الوهم، وتشتري من إيران أداء واضحاً على الأرض، حتى المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية بين غزة والضفة الغربية فشلت بها الدول العربية. في المقابل ها هي إيران تضغط باليمن لتساوم في لبنان، ثم تبيع بالعراق لتشتري في سوريا، لترمي إشاعات تقلق الخليج، ثم تتصدر مشهد دعمها للمقاومة الفلسطينية بالسلاح وخلافه لتظهر العرب على أنهم مهزومون، وهكذا تلعب لعبتها المتنقلة لتصل أخيراً إلى غرفة عمليات وتسليح مشترك للبيشمركة مقابل تنظيم “الدولة الإسلامية” بترتيب ألماني وتعاون أمريكي، فأين هم العرب؟!
هم بلا شك لديهم محطات تلفزة، تبثُّ الأخبار، ولديهم وزراء خارجية ودفاع، ولديهم المال، لكن المثير والمدهش بالموضوع أنهم حتى اللحظة لم يقدّموا مشروعاً مقنعاً يحمل أبعاداً استراتيجية، إن كان في السياسة أو الثقافة أو حتى الرياضة! إخوانهم الكورد لم يكونوا يوماً أعداء لهذه الأمة بل هم ناصرون لها، لكنهم (أي العرب) لم يروا بهم سوى مجموعات متناحرة في بقعة جغرافية لا تعنيهم، تتقدم إيران وتتقدم تركيا لصياغة مشاريع استراتيجية في هذه المنطقة، ويتراجع العرب إلى دور الراكب الذي يقف على محطة القطار، علّه يجد مقعداً يسير به حيث يسير القطار، وينزل حيث المحطة التي يتوقف بها القطار، لا تعنيهم حجم العربات ولا من رتّب المحرّك والمقاعد والسّكّة، أو من قاد القطار؟!
لم يسئ “داعش” للسوريين، ويساهم بتهجيرهم فقط، ويتبادل المصالح مع النظام ليسوّق للعالم أنه يحارب إرهابا متشددا وليس ثورة، بل أساء هذا التنظيم لوجه الأمة الحضاري، بما يبث بالإعلام عنه تحت راية الإسلام، وهذا لن يمحى بسهولة من ذاكرة شعوب العالم، فقد انتشر كالنار في الهشيم. كان من المجدي أن تتخذ الدول العربية قرارها بحماية ديننا السمح من التشويه دون أن تترك لإيران مدخلا جديدا تحت عنوان “محاربة الإرهاب الإسلامي” لتبرئة نفسها من تاريخ أسود مارسته بحق السوريين وغيرهم، فلو تقدم العرب بهذه الخطوة للدفاع عن الإنسان في هذه المنطقة، لكانوا بالتأكيد دخلوا مرحلة الفعل، ووجهوا الرسالة الأهم والأبلغ؛ فهم الأولى بذلك والأحوج له.
من المؤسف، أن يصل بنا التاريخ إلى هذا المكان، الذي ينقلنا من تحليل لمأساة، أو هزيمة، إلى هزيمة أخرى، يلزمها تحليل جديد مبني، ليس على تراكمات فاعلة، بل على أوراق محروقة، نبحث عن بقاياها لنبرزها بوجه أصحاب القرار مرة أخرى، علّهم يستدركون بما بقي من وقت لإعادة الهيبة لحضورهم الدولي الفاعل، وبالتأكيد المدخل ثورة السوريين العظيمة. فهل يستدركون؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث