طريف
العتيق
مشكلة
العالم الإسلاميّ أنّه أخُصي بالاستبداد منذ منتصف القرن الهجريّ الأوّل، منذ أن
تسلّط معاوية على كرسيّ الخلافة بقوة البطش وإراقة الدماء، مصدّقاً النبوءة التي
أودعها رسول الله أحاديث شتى، كقوله “الخلافةُ في أمَّتي ثلاثونَ سنةً، ثمَّ
ملك بعدَ ذلكَ”، بينما لم يُدوّن في التحرّر من هذا الاستبداد وتفكيك بنيته،
وكشف طبائعه سوى في القرن الرابع عشر (إذ لم يُعثر على كتاب عالج هذه القضيّة أقدم
من “طبائع الاستبداد” للكواكبيّ، الذي كتب عام 1317 للهجرّة، الموافق 1900 للميلاد) ، فلم يستيقظ العقل
العربيّ منذ ذلك الوقت، أي منذ لحظة معاوية؛ يقظةً كُتب لها النجاحُ.
بل
إنّ الطامة الكبرى تكمن في اعتقادنا أنّ مستبدي اليوم هم المستبدون الذين نعاني
منهم، لا غير… وليس في بالنا أحد آخر
إذا ما ذكر الاستبداد، كما نظن أن علماءهم وفقهاءهم هم وحدهم من مرق باسم الدين
خارج كلّ قيمه، فنتداعى إلى حرق كتبهم، ونفعل ذلك بجرأة، ويا ليت شعري، ماذا سنفعل
لو علمنا كمّ الكتب والمكتبات التي يجب حرقها.
ولا
يزال المارقون ممّن ركنوا إلى الذين ظلموا يحاولون التستر على الجبابرة الأوائل في
تاريخ هذه الأمّة باسم الدين؛ لأنه لو اكتشفنا أن معاوية ومن تبعه (مثلًا) كانوا
مستبدين، فهذا سيطرح سؤالًا آخر: فإذا كان للاستبداد طبائع وبُنى معيّنة، فهذا
يعني أنّ هؤلاء “الخلفاء” ساروا على نهجها، واقتدوا بمن سبقهم من مستبدي
هذا العالم، وسنن أسلافهم منها، فما الذي أفسده معاوية، ومن تلاه من عشرات
المستبدين، في الدين والعلم والأخلاق والتربية؟ بل ما الذي بقيّ من هذا الدين شيءٌ
لم يزوّر، في تلاحق القرون، والمستبدون كلّ واحدٍ منهم يأخذ من هنا، ويزوّر من
هناك، غير ناسين أنّ العقل العربيّ بقي نائمًا كلّ هذه الفترة، بينما المستبدون يقظون
يبدّلون، ويحرفون.
فإذا
ثبت في التاريخ أنّ النبوّة نُسخت بالملك، فكيف كان انعكاس سنن المستبدين ونهجهم
على الدين الذي أنزله الله؟ فالموضوع هو ماذا بُدّل؟ لأنّ التبديل ثابت
بالاستبداد، والاستبداد ثابتٌ بالتاريخ مما لا يمكن إنكاره.
وهذا
ما يؤكده حديثٌ آخر للنبي رواه ابن حبان في صحيحه: ” تدور رحى الإسلام لخمس
وثلاثين ، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك”.
وهذه
هي حسرة الصحابيّ الجليل عتبة بن غزوان في خطبته التي ألقاها في البصرة، ونقلها
الإمام مسلم في صحيحه، قائلًا: “إنها لم تكن نبوةٌ قطُّ إلا تناسخَت، حتى
يكون آخرُ عاقبتِها مُلكًا. فستُخبَرون وتُجرِّبون الأمراءَ بعدنا”.
واللفظ
هنا (تناسخت) دقيقٌ حدّ الدهشة، من صحابيّ جليل، فَهِم روحَ النبوّة، ونهج
التاريخ، وسنن الأمم، فالنسخ كما يقول أهل اللغة، رفْعُ شيءٍ وإثباتُ غيرِهِ
مكانَه، أو هو تحويلُ شيءٍ إلى شيءٍ، إنّه بالضبط أن تكتب نسخةً أخرى فوق النسخة
التي بين يديك، فتزوّرها، ويقع التبديل.
وليست
هذه حسرة عتبة وحده، بل شاركه بها صحابة كثر، كقول أبي الدرداء الذي نقله البخاري
في صحيحه: “واللهِ ما أعرفُ من أمةِ محمد صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شيئًا،
إلا أنهم يصلون جميعًا”.
بل
هي حسرة ممتدة إلى اليوم، قالها عبد الرحمن الكواكبيّ، مودعًا إياها في كتابه
(طبائع الاستبداد) الذي ألفه باسم مستعار خوفًا من السلطة: “اللهم إن
المستبدين وشركاءهم قد جعلوا دينك غير الدين الذي أنزلت، فلا حول ولا قوة إلّا
بك”.
إننا
قد نسمع هنا أو هناك عن كتبٍ ودراسات وتحليلات تحاول رصد ما أفسده مستبدو هذا
العصر، في وعي الشعوب العربية، وتشويه دينها، وطمس معالم هويتها، وابتذال لغتها،
لإنقاذ أبناء هذا الجيل من ثقافة مزورة تعيقهم عن المضي قدما في درب بناء مجتمعاتهم
وتحقيق انطلاقة حضارية مأمولة، لكنّ عملًا مثل هذا لا يمكنه أن يكتمل دون أن يتوسع
أفقًا في تاريخنا العربي، لهتك عرى الاستبداد، وكشف زيفهم وتزييفهم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث