الرئيسية / رأي / الثورة في واد وفتنة الغوطة في واد

الثورة في واد وفتنة الغوطة في واد

نبيل شبيب - صدى الشام/

أما القول إنها فتنة، فما يجري أخطر من فتنة؛ إذ يقتتل فيها الأشقاء وحولهم عدوّ يفتك بهم. بل إن ما يجري في الغوطة قريب مما نفهمه من الآية الكريمة {والفتنة أشدّ من القتل}، فلئن قال المفسرون بصددها هي “فتنة الإنسان عن دينه”، فما يجري في الغوطة يوشك أن يفتن الناس عن دينهم من شدة التنفير منه نتيجة اختلاط الأمر عند كثير من الناس ما بين ما يقول به الإسلام -وهو بعيد كل البعد عما يجري باسمه في الغوطة حاليا- وبين أفراد يقولون ويتصرفون بما يرونه من وراء ألقاب لا أصل لها عند التحقيق في معناها، كالشيخ والمفتي والشرعي، بل هم يستغلون واقع القادة المسلحين أو يستغلهم هؤلاء لتنفيذ مآربهم، وجميعهم يزعم لنفسه خدمة الثورة، ويستحيل أن تخدم أعمالهم الثورة. وفي الحالتين، لا يبرأ القادة من “الإثم” فيما ينفذونه أو يدفعون بالشباب الثوري الصادق لتنفيذه، فيصنع ذاك جهلا، أو خوفا على نفسه لو طبق قول الرسول صلى الله عليه وسلم “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”.

هي فتنة، وليس الكلام هنا عن تفاصيل الأحداث فيها، لا سيما وأنها لا تقتصر على وقائع بدأت بعد منتصف شهر نيسان/ إبريل ٢٠١٦م، فالمشكلات على التوافه أو نتيجة خلافات لا يراد حلها عبر الإصلاح بين الناس، هي التي أوصلت إلى انفجار “الفتنة”، وقد تراكمت متعاقبة عبر السنوات الماضية، تارة على مقر وأخرى على نفق وثالثة على اغتيال ومحاولة اغتيال ورابعة على عدم مقاضاة المتهمين، وخامسة عبر التطاول على الناشطين في أعمال وخدمات مدنية ومعيشية، وهكذا دواليك.

الكلام هنا يدور حول ما يهمنا أكثر ممن يقتتلون وإن كانوا من ساداتنا في ميادين العطاء من أجل الثورة، فالأهم من أشخاصهم أيا كانوا هو ألا يذهب ذلك العطاء هباء منثورا.. والأنكى أن يكون ذلك على أيديهم، فرصيد الثورة هو رصيد الدماء والآلام والمعاناة، وكل قطرة دم تهدر بين الثوار تهبط بهذا الرصيد إلى الحضيض.

إن الاقتتال بين الثوار جريمة حتى وإن كان على حق، وليس ما يقال ويصنع في الغوطة ما بين دوما ومسرابا وزملكا وأخواتها مما يمكن وصفه بصراع على إحقاق الحق، لا سيما وهو يجري أثناء ما نشهده في حلب وإدلب وحولهما، من مسلسل المجازر الأسدية والروسية والإيرانية الإجرامية ومسلسل البطولات الثورية شبه الأسطورية.

وبئس قول من يقول مستهترا بالدماء: وما يضير مقتل عشرات أو مئات من الأفراد في الغوطة من أجل “الثورة وانتصارها”، ونحن نعلم بأعداد الشهداء في سورية وقد بلغت مئات الألوف ناهيك عن المعتقلين والمعذبين والمشردين والمحرومين من معنى الحياة الكريمة.

من يقول ذلك يستخف بما قررته آيات القرآن الكريم، حتى وإن تصدر المجالس في ميادين المواجهة وتجرّأ على إصدار الفتاوى بالقتل والاغتيال والهجوم والدفاع والاعتقال، وما شابه ذلك، سالكا السبل المتشعبة لتبرير ما يقول بعيدا عن الصراط المستقيم والحق الأبلج.

أحداث الغوطة تقول.. إنها إن استمرت حتى ينتصر طرف على طرف من بين الفصيلين الأكبرين هناك، وهما جيش الإسلام وفيلق الرحمن، فإن الفريق المنتصر عبر الفتنة مهزوم بمنطق الثورة ومنطق الوطن ومنطق الإنسانية، وقبل هذا وذاك بمنطق الإسلام.

من يسيطر بلغة الدماء على الغوطة الآن، سيصبح ورقة يستشهد بها كل عدو للثورة -وما أكثرهم- للتحذير من أن ينتصر هؤلاء ويسيطروا في مستقبل سورية على نظام‎ يقوم على لغة القوة كما صنع النظام الذي قامت الثورة لجز رأسه وكل ما تفرع عن أخطبوط استبداده وفساده.

من يسيطر بلغة الدماء سيخسر ثقة الشعب به، ولن يقبل بأن يصل هو أو من يريدهم إلى السلطة، فهو في هذه الحالة “مشبوه مرفوض”.. بل الخطر الأكبر الصادر عن هذه الفتنة (وأمثالها) أن يفقد الشعب الثقة بجدوى الثورة، إن كانت حصيلتها وصول بعض الثوار إلى السلطة على طريق شربت من دماء بعض رفاق دربهم بسبب اقتتالهم معهم.

إن فتنة الغوطة تؤكد فيما تؤكد:

لن تنتصر الثورة حتى تجد المبادئ والأهداف الشعبية الثورية، كالعدالة والحرية والشورى والكرامة، تطبيقا حيا فعالا مشهودا واضحا للعيان من جانب من يسيطرون على هذه البقعة أو تلك من الأرض السورية، ويحملون اسم الثوار أو يعملون مع الفصائل ومن ورائها.

لن ينتصر أي فصيل مهما كبر وصمد وأعطى، ولن ينتصر أي قائد وإن سارت بذكر اسمه الركبان، ما لم يظهر للعيان أنه مؤهل للانتصار وهو على الطريق.. حتى يأمن الشعب على نفسه منه ويقبل أن يكون جزءا من “دولة الثورة” في أرضه لصناعه مستقبله.

المطلوب في الغوطة الآن: وقف الاقتتال دون قيل ولا شرط ولا لف ولا دوران..

والمطلوب في الوقت نفسه: قضاء مهني موثوق ومستقل.. وليس مجرد قضاء موحد بالمحاصصة..

والمطلوب قيادة عسكرية جماعية وليس مجالس قيادة يؤخذ القرار الحقيقي من خارج نطاقها..

المطلوب أن تتمثل سيادة شعب سورية في أرضه الآن من خلال احترام سيادة أولئك الذين يعملون مخاطرين بحياتهم في الخدمات المعيشية والمدنية من تربية وتعليم وإعلام وإسعاف وتموين وغيرها.

هذا.. وليت من يحملون المسؤولية “التمويلية” من وراء هذا الفصيل أو ذاك يشترطون عليه مثل هذه المطالب بدلا من شروط الولاء لهذه الجهة الخارجية أو تلك، وهذا التوجه السياسي أو الديني الاجتهادي أو ذاك.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *