الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / مصر وافتراضات الحل العربي في سوريا

مصر وافتراضات الحل العربي في سوريا

حافظ قرقوط
هل تملك مصر حقاً مقوّمات النجاح فيما سرّب من أخبار عن دور لها محتمل في حل الأزمة السورية؟ وهل حقيقة مازالت مصر والعرب ينظرون لما يجري في سوريا على أنه مجرد أزمة؟ هي أسئلة بسيطة يمكن أن تطرح لتستجر خلفها أسئلة أخرى متشعبة اختزنتها ذاكرة السوريين خلال أعوام مأساتهم.
كان ميدان التحرير في مصر أثناء ثورتها على مبارك هو ميدان الكثير من السوريين الذين يترقّبون لحظة فاصلة بتاريخ هذه المنطقة، وما أن تنحّى مبارك حتى انهالت المباركات فيما بين السوريين، واعتبروها بارقة أمل في خلاصهم. انطلقت ثورتهم والثقة عارمة لديهم أن نصرهم على الطاغية لن يكون بعيدا رغم علمهم المسبق بحجم آلة القمع المتربصة بهم. توالت الأيام والأشهر وتوالت معها المجازر وانتهاك حرمة البيوت والمقدسات من قبل جيش الأسد، وكانت المأساة الأكبر، جامعة العرب التابعة للنظام الرسمي العربي، تمسك عداد الوقت وتتلاعب به مقدمة كل ما يلزم لتمريره كي يبقى الأسد فوق ركام البلد. مصر الثورة توالت عليها الأحداث السياسية وبدا واضحاً أنها ورثت كل أمراض مبارك السياسية، لا خطاباً واضحاً ولا معرفة بحجم هذه الدولة وقدرتها الذاتية والإقليمية ولا نكهة لأدائها. وفشلت الثورة في مصر بمقاييس التاريخ والفكر، وفشلت بالتالي عن حجز مكانتها المرموقة على الخريطة الجيوسياسية، ورافقها إعلام متردٍّ لايملك مقومات المهنية ولا الإحساس بالمسؤولية التاريخية. شعر السوريون بالمرارة لخروج هذا الهرم الكبير من دائرة حساباتهم، وأصبحوا مع الأيام يفكرون كيف لهم أن يحافظوا، على الأقل، على عدم انزلاق مصر نحو خندق أعدائهم وبالذات الإيرانيين والروس، تجاهل الكثير منا الإشارة إلى مصر في كتاباته كي لا يدفع ثمنها اللاجئون السوريون فيها، فتحميلهم أوزاراً، لا ناقةَ لهم بها ولا جمل، هو بحد ذاته فاجعة تسجل بألم في تاريخنا العربي، لكنّ الثائرين في سوريا بقيت لديهم في المقابل بضعة آمال معلقة على إخوانهم بالخليج العربي مجتمعاً، حيث إيران التي قفزت فوق كل المعايير القانونية والأخلاقية للدول وأوغلت في دم السوريين، كان للعرب بالأمس القريب تجربة مرة معها في العراق بتلاعبها بالغرائز الإنسانية لتفتيت النسيج الاجتماعي وتغذية التناقضات.
 وأيضاً تجربة لا تقل مرارة في نتائجها بإدخال لبنان في اللعبة الطائفية القذرة ذاتها وجعله مادةً مساومةً حتى في هويته الوطنية، أما الأسد الذي لم يترك كلمة إهانة يمكن استعمالها بحق دول الخليج العربي فلا ينفصل عن هذه اللعبة التي تعمل على تفتيت نسيج المنطقة، كان من المستبعد لدى السوريين أن يقوم الخليج بإعادة تسويقه كما فعل بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، فجرائمه بحق السوريين لم تعد حملاً يمكن تمريره في كواليس السياسة، لكن المفاجأة كانت أكبر من توقعات السوريين العاطفية، وأكبر من قامة مآذن تغتالها النيران، فالسياسة لم تعد فن الممكن بل فن الخدعة. أخرج “الأصدقاء – الأعداء” من قبعة الساحر غول التطرف، تسلل الفكر الجهنمي في ليل السوريين الطويل ليصنع الأسباب والمسرح والممثلين، والدراما التي يغدق عليها الخليج أمواله وهو على علم بأن أبطالها كانوا يشتمونه علناً وعلى شاشات التلفزة السورية أصبحوا بـ “دراماهم” صيغة أمّية أمام صناعة دراما الخلافة الإسلامية على أشلاء السوريين. تدرجت الرسائل وتدرج الساحر بإنتاج الخدع وتقدم الفارسي ليحصد ما استثمره في ظلام قبورنا، وتحت عنوان الأمل بالخلاص يمرر الساحر أن مصر مدعومة بمال ورغبة خليجية ستؤدي دور حاقن الدم المبتسم كما ابتسامات الإبراهيمي حين كانت ترتسم بلا معنى، مصر التي أشاحت بوجهها عن آلامنا ستفاوض الروس والفرس على مغانم النكسات، نعم فالنكسات حين تقرأ من زاوية العرب الذين يشبهون نظام الأسد، حين اعتبر نكسة حزيران هي نصر ببقائه، هي ذاتها من يقرأ لسادة العرب انتصارات الهزائم، يضحك بالتأكيد ملالي كسرى في قصره على ما ينجزه العرب ويضحك بوتين في خلوته مع رفيق سياسته لافروف، فالعرب مازالوا هم العرب والسياسة معهم تشبه لعبة “الغميضة”، ومصر أم الدنيا تضيق بخياراتها الدنيا لتصافح قاتلنا بحيادية لا نعرف كيف تعرب ولمن تقال، فالحياد هنا وبأدنى معايير السياسة هو إعلان وقوفها في صف القاتل، إلا إذا سقطت جامعة العرب من قاموس المستقبل، وسقطت مع دماء السوريين كلّ شعارات الانتماء التي لم تؤدٍّ إلا إلى موتنا. 
الغريب في موضوع واسطة العرب أن مستشاريهم الذين زودوهم بنتائج ما فعله الغول المتطرف بإعلان دولة الخلافة، وما أنجزه بالمقابل وحش النظام لم يزودهم بما تحويه نفوس السُّوريين من أنفة لا تصالح قاتلاً، ولا تنحني لعاصفة.
 والغريب أن قراءتهم للمشهد مازالت قاصرة، وما أنتجه المال الذي سال كالنهر لتشويه مسار حركة الشعوب في هذه المنطقة أعماهم أيضا عن فهم حقيقة المعادلة على الأرض، فمن قام بالثورة ليس قاطعي الرؤوس ومن له الأرض بالمستقبل ليس من داس الجثث، وهو يسألها مستهزئاً “بدكم حرية”، فتلك الثورة وشعارات الكرامة التي أطلقتها مازالت قائمة في النفوس، وإن الحجم الهائل لخسائر السوريين وعدم نصرتهم لن يكون مفتاح تراجعهم أمام ابتسامات وأمنيات غير محسوبة يتم إخراجها بالكواليس، فإن صنع الساحر غول التطرف واعتقد أنه حان وقت الحصاد فليتأكد أنه وعن غير قصد قد أعطى الفكرة للسوريين وبذلك على ساسة المنطقة إن لم يزيلوا الأسد، ويعطوا الفرصة للناس كي تحتفل بانتصار إرادة شهدائها، عليهم أن يتوقعوا انفجاراً سورياً يحوي المزيدَ من التطرُّف، ودخول مصر برعاية عربية بطريقة لا ترتقي لطموحات الشعب السوري هو إعادة تأهيل للنظام الفارسي قبل بقايا نظام الأسد بمنحه مكاسب جرده منها السوريون خلال ثورتهم، إلا إذا كان العرب يعرفون ذلك ويصرون عليه لتقديم حل رديء يدفع السوريين لرفضه كي يعطوا أنفسهم مبررا جديدا يقولون فيه موتوا أيها السوريون فأنتم رفضتم الحل، ويا له من حل يشبه حلول السيد أوباما بعد قصف الأسد لشعبه بالكيماوي!! وهذا ما لا نرجوه.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *