سالم عدلي المحمود
رحل الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، وبرحيله تكون
المقاومة الفلسطينية قد ودّعت ثالث قاماتها الشعرية التي تصدرت قائمة الشعر الفلسطيني المطعم بوجع الأرض، ونكهة الدم. وعلى مدى خمسة
عقود ونيّف، عاشت فلسطين على نحو خاص في وجدان هؤلاء الشعراء وذاكرتهم، وهم: توفيق
زيَّاد، وسميح القاسم، ومحمود درويش.
ومن يهمُّني هنا، هو سميح القاسم لإثارته في أذهان جمهوره
والمتابعين آراء سياسية متباينة، لست بصددها الآن، لكنَّ حكاية واحدة، ميَّزت
الشاعر، فاستوقفتني إذ وضعته إلى جانب مكانته الشعرية في مصاف المحللين السياسيين
ثاقبي النظر.
ذكر فيصل القاسم في مقالة له نشرتها “القدس العربي”
يوم 20/8/2014 حادثة بالغة الأهمية عن سميح القاسم الذي توقف في إحدى الجلسات الحميمية
بحضور فيصل، وعدد آخر من المثقفين والإعلاميين يتصدى بجرأة، ودونما مواربة ولا
ممالأة لموجة عاتية مصدرها هياج عاطفي بريء أسدل على جلستهم المسائية التي أتت على
شرف سميح نفسه، رداء براقاً من مديح فاقع لخادم ملالي إيران الفارسية “السيد”
حسن نصرالله، بُعيد حرب عام 2006 المفتعلة، وأقول المفتعلة على الرغم من تكريسها حزب
الله حزباً للمقاومة في الذهنية الشعبية العربية التي تحتفظ للحزب بفعليه الطيبين
عام 1982 و2000 لكنها، أي الأخيرة هذه، بقيت في العمق والدلالة حرباً مفتعلة، فهي
لم تأت في النتيجة النهائية إلا على خراب الجنوب الذي أكسب الحزب دعماً سياسياً بُعيد
اغتيال رفيق الحريري ودعماً مالياً، وأتت أيضاً بمزيد من أعداد الشهداء والمنكوبين،
وأعادت قوات اليونفيل لتوقف حسن نصر الله والمقاومة كلَّها عند الحدِّ الذي تريده
إسرائيل، وبإجماع مجلس الأمن، ومن بين أعضائه طبعاً روسيا والصين! هاتان الدولتان اللتان
لا تزالان، حتى اللحظة، تناصران ميلشيات نصر الله، وتباركانها مع ميليشيات أخرى
تزجها إيران في حربها القذرة ضد الشعب السوري! هذه الحرب التي جردت سوريا
والسوريين من كل عوامل القوة والحياة، بل هي التي تركت الشعب السوري عارياً في
جهات الأرض، يتسول أسباب عيشه، ويجتر آلامه وأحزانه!
ما أظنُّه أن سوريا
والسوريين عموماً كانوا حتى بدء هذه الحرب “الخيانة”، أعني الحرب القائمة
على الشعب السوري، يحلمون بتحرير أراضيهم من رجس الاحتلال الإسرائيلي.
ولعلَّ إسرائيل، ورغم كل حالة الاطمئنان التي كانت
تعيشها، بقيت على قلق من حقيقة هذا الأمر، ولم تنم على تبن من فوق ماء، فأعدت لهواجسها
ما استطاعت من قوة. ولم يكن ليخطر على بالها أبداً، والله أعلم، أنَّ إيران،
وحليفها في الداخل السوري، وحزبها اللبناني سيأتيانها، في غفلة ما، بهذا الفرح
العظيم من غير أن تضحي بقطرة دم واحدة، أو أن تخسر شيكلاً إسرائيلياً واحداً..!
أعود لحكاية
الشاعر سميح القاسم الذي لم تأخذه موجة العواطف، ولم تثنه المجاملات عن قول ما
يراه صواباً، فوقف في نهاية الجلسة ليقول لأصدقائه الذين استنفدوا المشاعر كلها
والعواطف:
«اسمحوا لي يا إخوان أن أختلف معكم اختلافاً جذرياً، حول
حزب الله وتفاخركم ببطولاته، فهذا الحزب ليس حزباً وطنياً ولا عربياً ولا قومياً،
وكان بودّي أن يكون كذلك، ولكنه مشروع إيراني يخدم أجندة فارسية لا تمت للعروبة
ولا للقومية بصلة، ومخطئ من يعتقد بغير ذلك، والأيام بيننا!»
وها هي ذي الأيام تأتي بالفعل لتؤكد أن سميح القاسم لم
يكن على صواب فحسب، بل إنه كان يقدم نبوءة تقوم على قراءة دقيقة وعلمية، في وقت
كانت فيه الناس، تؤله ذلك العميل الإيراني المخادع!
نعم تأتي الأيام وتصدق نبوءة سميح القاسم، بل نبوءة
الكثيرين ممن أهمل تحذيرهم في وقت ما، وربما جرى التشكيك في أفكارهم وتحليلاتهم!
ولعلَّ بعضهم قد وجهت إليه أصابع الاتهام والخيانة!
نعم تأتي الأيام لتري كل ذي نظر “أحول” كيف يوغل
حزب “المقاومة”، في الدم السوري، وفي تهديم كل ما بناه السوريون الصابرون
على مدى نحو ستين عاماً، مضحين بلقمة عيش أبنائهم، منتظرين معركتهم الفاصلة التي
تعيد لهم الأرض والكرامة! ويأخذ الناس بالانفضاض عن المدعو حسن نصر الله، وعن حزبه
المعطى وكالة حصرية بالمقاومة والوعد بـ”التحرير!” ويبدأ الكثيرون ممن
كادوا أن يسجدوا في يوم ما في حضرة المخادع، وفي غيابه لوهم انطلى عليهم بأن آمالهم
المؤجلة ستغدو حقائق ملموسة، وأن أحلامهم المستغيثة بنصر، أيَّ نصر، وإن كاذباً،
سترى النور، وسيحطمون به تلال الانكسارات التي عششت في صدورهم آهات وحسرات! ويبدأ
المحللون الذين انقلبت الطاولة في وجوههم، وبانت لهم أوراق اللعب الحقيقية، في
التوصيف الفعلي لهذا العابث بلحيته وبالدين، فيقرون بأنه ليس أكثر من أراجوز بين يدي
ملالي طهران، يحركونه متى شاؤوا، وحيث اقتضت المصلحة.
وراحت الأقنعة تتساقط تباعاً، وإذا بـ”المقاومة
والمقاومين في خدمة مشروع استعماري جديد، ربما كان أشد إيذاء للعرب وفتكاً بهم
وبالمسلمين! وتذهب الأسئلة الحزينة إلى مشاهد الأفعال الأكثر بؤساً ومرارة في تاريخ
حزب الله، فمن تفرده بما يسمى بالمقاومة، وبإقصاء الآخرين الذين يمثلون الشعب
اللبناني، لا طائفة بعينها، ولا حزباً بعينه، وبمباركة دولية وإقليمية، وتحت الرعاية
السورية إلى ترحيل منظمة التحرير الفلسطينية نحو أقاصي البحر! وتأتي أيضاً خلال
تلك الحقبة وبعدها، مشاهد الاغتيالات الفردية التي طالت شخصيات سياسية وفكرية وثقافية
وصحفية، إذ هي قالت كلمة حق، وزرعت أملاً في حياة اللبنانيين، فمن حسين مروة ومهدي
عامل إلى رفيق الحريري مروراً بجورج حاوي وسمير القصير وجبران تويني وسواهم الكثير
ممن تتعارض أفكارهم ورؤاهم مع المشروع الإيراني الفارسي في ردائه الديني المتخلف.
صحيح أنَّ الأقدار كانت رحيمة إذ لم يطل الوقت كثيراً
حتى أن ذاب الثلج، وفاحت روائح ما تحته، لكنَّ الثمن جاء باهظاً، باهظاً جداً..!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث