الرئيسية / منوعات / منوع / يا صاحب الظل الهزيل..

يا صاحب الظل الهزيل..

سما الرحبي

دخل
واثقاً من نفسه، وبمنصبه السياسي، بدلة رسمية، شعر ممشّط، حذاء يعكس صورته لشدة
لمعانه، ومسبحة بنية لفّها مرتين حول يده، يريد دعم مؤتمر “نسائي”.

مسؤول في “الائتلاف السوري”، تحدث
لدقائق في بداية المؤتمر عن انطلاق الثورة السورية في 15 آذار 2011، وأكمل حديثه
البعثي بنبرة لا تخلو من العاطفة المتصنّعة تجاه النساء “الضعيفات” في
خطاب مليء بالمصطلحات الهلامية، التي تدور حول نفسها، ولا توصل لنتيجة، مع الكثير من
الأخطاء التعبيرية، اللغوية والتشكيل، كاسحاً جميع مبادئ العمل النسوي.

إذ كرّس الصورة النمطية لهن، والتي يجاهدن
لكسرها عبر تكتلاتهن وعملهن المدني.

فالمرأة عنده هي فقط، الأم، والأخت، والأرض، والشرف، الذي يجب أن يدافع الرجال عنه،
لا أكثر، هي دائماً تلك الكائنة المرتبطة برجل، التابعة لطرف، لا شخصية مستقلة،
ذات سيادة وقرار، أو ثائرة!

اعتلت
وجوه النسوة، تعابير ممتعضة، ونظرات اشمئزاز، تخللتها تعليقات هامسة ساخرة، رأيت
رصاصة مسرعة كالماء، تخرج من عينَيْ زوجة شهيد، لتستقر في تجويف
فمه الذي يزبد، ويرعد أثناء حديثه..، قال : ” إن المرأة المسلمة خجولة،
لطبيعة مجتمعاتنا المحافظة”، ورغم عدم وجود اختلاف ديني في القاعة، إلا أن
كلمته استفزت الحاضرات، وكانت الشعلة التي فجرت النساء قنابل في وجهه.

تدارك الأمر معتذراً، لسوء التعبير، وهو يحكُّ طرف رأسه، وانتقل هجوم النسوة من
كلمته، موجّهات مساره إلى غياب فاعلية الائتلاف في دعم المرأة السورية ومناصرة
قضاياها، و البحث عن حلول تشفي جراحهنّ، وعن سبب عدم قبول الائتلاف ورقة مقدمة من
مجموعة مدنية نسوية لزيادة نسبة تمثيل المرأة في مجالسه.

كانت مبررات المسؤول واهية، مكررة.. من عدم وجود
كفاءات أو أن السوريات غير متمكنات إلا في الأعمال “الجندرية”،
“إغاثة، خياطة.. الخ”، أو أنهن يظلمن أنفسهن، وهو لا يستطيع تقديم
الديمقراطية لهن، رغم أننا وهن تخرجنا من المدارس ذاتها، وحصلنا على الشهادات ذاتها!

كلمات
بعثرت في وجوه النسوة لملء فراغ حديثه، مجرد حجج صالحة للاستخدام في كل وقت.

كلماته
زادتهن حنقاً، وبعد أن شعر بخطورة موقفه، أراد الهرب والاعتذار عن استمرار
المناقشات أو الجلوس على الغداء لضيق وقته، وارتباطه باجتماع هام، فاعتقد أنه جاء داعماً مناصراً، ينتظر شكراً
وتحيةً، لا أن يتحوّل لمّتهم في غرفة التحقيق.

ربما اعتاد أصحاب القرار، أن الشعب السوري شبيه
بـ “مجلس الشعب” لا يجيد إلا تمسيح الجوخ لمسؤوليه، والتصفيق بوجههم طمعاً
بواسطة أو لغرض ما.

ومع عناد
النسوة، لاستمرار الحديث، جلس المسؤول العظيم، استغلت زوجة الشهيد وجوده بجانبها
على طاولة الغداء، وراحت تكيل له سيلاً من الاتهامات المرفقة بعبارات قاسية، تتمثل
بـ “دم زوجي في رقبتكم، أنا بلا معيل أو معونة مشرّدة في المخيمات، صعدتَ
لكرسيك، ومن معكم متربعين فوقه على جثثنا…الخ”، ضاق ذرعاً ..، وقال لها
بنبرة مذلة ” أتريدين أن أعطيك الكرسي وفوقه 5 آلاف”..!!

ساد صمت.. حرّك حبتين من مسبحته البنية في يده، قضم قطعة دجاج باردة، وأردف،
” في بداية حديثي تكلمت أن الثورة السورية بدأت يوم 15 آذار”، اعتذر
مصححاً أنها بدأت يوم 18 من آذار” أكمل طبقه،ومضى..، بدت قامته قصيرة أمام قامات النساء الباحثات عن
حريتهن، خرج هارباً من ألف سؤال، ليس آخرها، من أنت..من تكون..يا صاحب الظل
الهزيل؟.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *