أمين بنا- حلب
عكف النظام السوري وروسيا التي تقف من خلفه منذ اللحظة الأولى، بعد تعثر المفاوضات في جولتها الأخيرة في جنيف، ورفض الهيئة العليا للمفاوضات الإذعان لشروط الاستسلام، على معاقبة الأحياء الخاضعة لسيطرة المعارضة في حلب، وريفها الغربي والشمالي.
وبعد يوم واحد من تعليق الهيئة العليا للمفاوضات لمشاركتها في ساعة متأخرة من مساء 19 نيسان، بدأت المقاتلات السورية والروسية بصب حممها على رؤوس المدنيين في مدينة حلب، بمعدل 35 غارة جوية يومياً، مرتكبة العديد من المجازر في العديد من الأحياء، من بينها أحياء السكري وطريق الباب والكلاسة والمرجة، ومدينة الأتارب بريف حلب الغربي.
وكان مشفى القدس الواقع في حي السكري مسرحاً لأقسى تلك المجازر، حيث تعرض المشفى المذكور والأبنية المجاورة له مساء يوم الأربعاء الفائت، إلى عدة غارات متتالية، خلفت ما لا يقل عن 50 قتيلاً، غالبيتهم من المتواجدين في المشفى لحظة الاستهداف، من بينهم الدكتور محمد معاذ، طبيب الأطفال الوحيد في المدينة، وأحمد أبو اليمان طبيب الأسنان. كما طال القصف كل من مستوصف المرجة، ومركز بستان القصر الطبي بعد قصفة بثلاثة براميل متفجرة وصاروخ فراغي، ما أدى إلى خروجهما عن العمل.
إلى ذلك أحصى مركز الدفاع المدني في المدينة في الفترة الممتدة من 21 إلى 29 من شهر نيسان الماضي، مقتل 189 مدنياً، بينهم 40 طفلاً، و43 سيدة، ومثلهم من الجرحى، مشيراً إلى استجابة المركز إلى 240 حالة قصف في هذه المدة.
ومن جهة أخرى، وثق المعهد السوري للعدالة مقتل 347 شخصاً خلال شهر نيسان في مدينة حلب، جراء القصف الذي تشهده مناطق المعارضة من قبل آلة النظام العسكرية، ولفت المعهد الحقوقي في تقريره الشهري إلى استهداف النظام لـ25 سوقاً شعبياً، و6 مستشفيات، وعدة نقاط طبية، ومساجد.
وبحسب المعهد فقد أطلقت الطائرات الحربية خلال نفس الشهر 907 صواريخ موجهة، و270 برميلاً متفجراً ألقيت من الطائرات العمودية، و69 صاروخاً من طراز أرض -أرض.
وغداة الحديث عن اتفاقية التهدئة التي استثنت مدينة حلب، وطبقت كما ادعت مصادر روسية، في دمشق وفي أجزاء من ريف اللاذقية، طالت الضربات التي توجهها الآلة العسكرية للنظام، الجوية والمدفعية، المراكز الحيوية في العديد من الأحياء، كالمساجد، ومن بينها مسجد أويس القرني، والمدارس والمراكز الصحية، والطرق، خصوصاً تلك التي يسلكها النازحون عن المدينة.
وبالنظر إلى حيثيات الغارات والأماكن المستهدفة، يجمع مراقبون على أن النظام يهدف من خلال هذه الغارات بالأسلحة الفتاكة، وخصوصاً “الألغام البحرية”، إلى قتل أكبر عدد ممكن من المدنيين. ويستدلون على ذلك من تنفيذ المقاتلات لضربة ثانية لنفس مكان الاستهداف بعد مدة قصيرة من توجيه الضربة الأولى، أي عقب تجمهر المسعفين. فضلاً عن إطلاق قواته المتمركزة في أحياء حلب الغربية للعشرات من صواريخ “الفيل” ذات القدرة التدميرية العالية.
لكن التطور الجديد، والذي يعتبر بمثابة التحول الأهم الذي يكشف عن خطة النظام من وراء هذا التصعيد، جاء مع بداية الشهر الحالي، حيث كثفت مقاتلات النظام، الحربية منها والعمودية، استهدافها لنقاط حيان وكفر حمرة القريبة من معبر “الكاستلو” في شمال المدينة، بالتزامن مع تحركات عسكرية، تمهيداً على ما يبدو، لقطع طريق الإمداد الوحيد، وهو ما يمهد لحصار المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.
بالمقابل، شدد القائد العسكري لغرفة عمليات فتح حلب، الرائد ياسر عبد الرحيم، على مواصلة الفصائل لتصديها لما وصفها بـ”القوات البربرية”، وقال في حديث خاص لـ”صدى الشام”، إن “الخيارات العسكرية أمامنا مفتوحة، والأيام القادمة ستشهد بذلك”. وأردف عبد الرحمن: “لن نتخلى عن مطلبنا في إسقاط النظام، ولو وقفت في وجهنا كل دول العالم. مطلبنا عادل، مهما تعامى العالم عن الجرائم التي يرتكبها هذا النظام”.
ياسر عبد الرحيم: لن نتخلى عن مطلبنا في إسقاط النظام، ولو وقفت في وجهنا كل دول العالم. مطلبنا عادل، مهما تعامى العالم عن الجرائم التي يرتكبها هذا النظام.
من جانبه، رأى المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات، رياض نعسان آغا، في الهجمة الراهنة التي يشنها النظام على حلب، “استمراراً للهجمات التي يشنها الأخير على كل المناطق الخارجة عن سيطرته”.
وخلال تصريحات خاصة بـ”صدى الشام”، قال نعسان آغا: “يهدف النظام من خلال التصعيد هذا إلى تحقيق عدة أهداف، في مقدمتها محاولة استعادة حلب وإخضاعها لسيطرته، عبر معاقبة الشعب الذي خرج ثائراً ضد الاستبداد، وخصوصاً “أهل السنة” بدوافع طائفية مذهبية وثأرية كما هي دوافع إيران”.
وتابع أغا: “كما يهدف النظام إلى تدمير البنية التحتية للمدينة، وإلحاق خسائر بالثوار، مما يجعلهم غير قادرين على إقامة حكم محلي. ومن أهدافه أيضاً إظهار حالة قوة يملكها مع حلفائه، أمام المجتمع الدولي، بهدف إعادة الاعتبار له دولياً، ليتمكن من السيطرة على مساحات جديدة تمنحه قوة أكبر عند التفاوض. وبالنتيجة يكون الهدف هو إنهاء قوى المعارضة المعتدلة من خلال تكثيف الضربات عليها، حتى لا يبقى في ساحة الصراع سوى النظام والمنظمات المتطرفة، بحيث يتم اختياره بالضرورة”.
رياض نعسان آغا: إن نجاح النظام في قلب الموازين عسكريا بمعونة دولية، سيمكنه بقوة من الانتقام من شعبه، كما حدث لمدينة حماة بعد سحقها
وفي ربطه للتصعيد الذي تشهده المدينة مع فشل المفاوضات، وضع نعسان آغا مسألة “إجهاض المفاوضات” على رأس أهداف النظام من خلال هذه الحملة الشرسة التي تشهدها المدينة، وقال بهذا الشأن: “في حال استعاد النظام حلب وإدلب والرقة وبعض المناطق المحررة الأخرى، فإنه سيتفرغ لريف دمشق ودرعا بمشاركة قوية من إيران وروسيا. وهذا ما يخطط له، بحيث لا تبقى للمعارضة المعتدلة سوى بضعة جيوب غير قادرة على تحقيق توازن عسكري”، مضيفاً “ربما يأتي النظام عندها إلى المفاوضات ليفرض شروطه في حال إصرار المجتمع الدولي على التدخل لرسم صيغة جديدة لمستقبل سورية”.
واستطرد “إن نجاح خطة النظام في قلب الموازين عسكريا بمعونة دولية سيمكنه بقوة من الانتقام من شعبه، كما حدث لمدينة حماة بعد سحقها، وسينتقم من كل الدول التي وقفت ضده وساعدت الشعب السوري في ثورته”.
رياض نعسان آغا: ما يحلم به النظام من إركاع الشعب الذي استسهل الموت لن يكون بالبساطة التي يتخيلها، والشعب الذي دفع مليون ضحية مستعد لدفع مليون ضحية أخرى.
وختم نعسان آغا حديثه لـ”صدى الشام”، مشدداً “ما يحلم به النظام من إركاع الشعب الذي استسهل الموت لن يكون بالبساطة التي يتخيلها، والشعب الذي دفع مليون ضحية مستعد لدفع مليون ضحية أخرى، كيلا يقع تحت سيطرة نظام استبداد الطائفة الواحدة وحلفائها، وسيبقى الصراع مفتوحاً لعدة عقود”.
في الأثناء، أدانت 300 منظمة مجتمع مدني سورية الأحد، في بيان، المجازر الدموية التي تستهدف المدنيين، متهمة المجتمع الدولي بـ”التواطؤ والصمت على جريمة العصر تجاه إبادة مدينة حلب”، محملة الأمم المتحدة ومنظمة دول التعاون الإسلامي والجامعة العربية مسؤولية أرواح المدنيين الأبرياء التي تزهق في سوريا.
وسبق بيان المنظمات هذه وقفات احتجاجية نظمها نشطاء في العديد من العواصم والمدن العالمية، استنكاراً لما يجري في حلب من مجازر.
مقابل ذلك، اكتسح هاشتاغ “حلب تحترق” مواقع التواصل الاجتماعية، ليسجل على مدار أيام متتالية قائمة الهاشتاغات الأكثر تداولاً في العالم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث