الرئيسية / Uncategorized / سميح القاسم .. حمّلتنا وزر موتك

سميح القاسم .. حمّلتنا وزر موتك

مرهف دويدري

في الموت..، يكمن جلال اللحظة النهائية لحياة عظيمة
مليئة بالأحداث والابتكارات، أو أنه حكاية بسيطة كحياة أي شخص يعدّ الأيام
والسنوات للوصول إلى ذلك اليوم الذي لا يستطيع بعد دخوله البرزخ المقدس الدفاع عن
نفسه سواء أكان بريئاً وبلا أعداء، أو أنه مسيئاً، وما أكثر الأعداء في هذه
اللحظات، التي يتحول فيها البعض إلى مردة، ويجهدون أنفسهم في إيجاد الأخطاء والهفوات
لذلك المسجى على خشب المقصورة، ليهال عليه تراب الرحمة فيما هو خارجٌ من حياة
متعبة بلا كمنجات تبكي رحيله، أو زنابق تُحمل له من قدسه العتيقة، لتودع في مزهرية
الروح الراحلة.

تخرج الروح مودّعةً جسد “سميح القاسم” وإلى الأبد،
لينفصلا بعد رحلة امتدت على مدى
75 عاماً من الحب، والحرب، والحزن، والشعر،
والسياسة التي أتعبته أكثر من الشعر ..

بعد هذا الانفصال.. والروح الصاعدة إلى السماء، حيث
المحبة.. كان الجسد يتلقى طعنات الحقد التي كانت قبل رقاد المغتسل كلمات رياء
معلّبة، تصفه بشاعر فلسطين الكبير الذي أسس من شعره ثورة ضد الظلم الذي نال من
الفلسطينيين ما ناله.. فـ “سميح القاسم” كتب عن مجزرتي مخيم “تل
الزعتر”، و “صبرا وشاتيلا”، وعن تهويد القدس، والعجز العربي، وعدوانية
إسرائيل، لتنتقل الحراب إلى طعن جسده كونه
عضواً عربياً في الكنيست الإسرائيلي بصفته من “عرب 48″، إلى مديح
الطاغية “الأسد الأب”!

يموت “سميح القاسم” مرفوع القامة كشجرة
السنديان العتيقة.. ومازال صوته العالي يصدح حباً بالحرية، وينحاز للشعب المقهور
ضد الطغاة في كل مكان، فهو يعرف تماماً أن بوصلة القلب لا تتجه إلا إلى أؤلئك
المقهورين المسلوبين من كل شيء.

الشاعر الإنسان..
يقول عن الربيع العربي:

وجيوشهم
جرارةٌ

لا
لاستعادة موقعٍ .. أو مسجدٍ .. أو زهرة برية

لكن
لسحق مظاهرةْ

ولقتل
طفلٍ ما درى

أن
الحنينَ إلى أبيه مؤامرة
!”

لعلنا في الثورة السورية اعتدنا على إقصاء الأصدقاء
وتخوينهم بالمطلق، فقط لأن بعض المواقف التي اتخذها هذا الصديق منذ زمن، يكاد يكون
من المنسيات؛ فالطعنات تأتي من الخلف.. أو من ألف خلف.. فقط من أجل قصيدة مديح
بالطاغية بعد موته، فهل هناك من أعطيات تأتيه بعد موت الطاغية؟

هذا الشاعر
المحاصر بين احتلال غاشم، ومرض طائفي ظهر بعد موته، لتبدأ الأصوات النشاز بالصراخ
عن خيانته للثورة، ونسى من نعته بذلك أنه فلسطيني وله الحق أن يقول ما يشاء، طالما
أن بعضاً من أبناء البلد التي ينتمي هو إليها، يؤيدون الطاغية، ومن يتهم القاسم
بالخيانة، كان يعيش في كنف الفساد الذي أتقنه النظام وعلّمه لرجالاته، ليخرج آخر،
ويتحدث عن “القامة المنحنية” لسميح القاسم، فقط لأنه لا يتفق -طائفياً -مع
توجهات المثقف الجديدة، وإن كان يعيش في بريطانيا!

ربما يشكّل الموت في هذا الزمان كارثةً على من يموت،
فلابدّ له من تقديم صك البراءة لبعض متسلقي الثورة السورية، الذين أثبتوا في غير
مرة أنهم عتاة الفساد والكراهية عندما كانوا في كنف نظام الأسد، وهم اليوم يعملون
جاهدين لتشويه الثورة والرموز الخالدة، مستفيدين من تركة كبيرة تركها لهم النظام من
حقد على الكبار، في حال لم يقدّم فروض الولاء والطاعة العمياء لهؤلاء الذين
اعتادوا أن يفرزوا الناس إلى محوري الخير والشر حسب تطلعاتهم.

سميح القاسم..الفلسطيني..
من الضرورة بمكان أن يقدم صك الولاء لهم لأنهم قادة الثورة، وبالمقابل تتم تبرئة
“زكريا تامر”..الدمشقي..، الذي لم يقدم موقفاً واضحاً سوى بعض الكتابات
التي تحكي عن الظلم والفساد، وهو معتاد على كتابة هذه القصص منذ منتصف الستينيات
في القرن الماضي، فيما نسي الجميع رسالة الرثاء الشهيرة التي كتبها نزار قباني بعد
مقتل “باسل الأسد” في حادث مرور على طريق المطار، فجعله من الملائكة، وأن
السماء أصبحت أكثر قدسية بصعوده إليها.

ما يفرض هذا
الفرز، الذي يؤسس عليه الكثير من مثقفي الواجهات الزجاجية هو الطائفية البحتة، و
ليس له علاقة بمديح الطغاة أو لا! .. فمازالت إرهاصات محاكمة الشاعر سليمان العيسى،
وممدوح عدوان حاضرتنا في الأذهان بعد موتهما، في وقت لا تخفى على أحد علاقات هؤلاء
المثقفين المشبوهة مع بعض المتطرفين و
الفاسدين، وتورطهم حتى أخمص قدميهم في المال السياسي ليتم “تصنيعهم”
كمثقفين .

“سميح القاسم”.. الشاعر الفلسطيني الكبير..
الذي رقد بسلام بين يدي حبيبته فلسطين، التي بكاها و أحبها .. يقول:

ماذا أقول لو استنطقت عن وجعي

فالجرح جرحي والسكّين سكّيني

و حين يزحم وجه الموت ذاكرتي

أبكي عراقيَ أم أبكي فلسطيني؟

هو يعلم أن الموت قادر عليه، فلا يستطيع ردعه، إلا أنه
لا يخافه كحقيقة لابد منها.

وفي الرحلة نحو البرزخ..كانت آخر حروفه قبل أن يقف قلبه المحب عن الخفقان:

أنا
لا أحبّك يا موت

لكنّني لا أخافك

أعلمُ أنّي تضيق عليّ ضفافك

وأعلمُ أنّ سريرك

جسمي

وروحي لحافك

أنا لا أحبّك يا موت

لكنّني لا أخافك

على روحك “سميح القاسم” السلام.. فقد حمّلتنا
وزر موتك، كما حملت أنت وزر موت صديقك ورفيق دربك “محمود درويش “..

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *