الرئيسية / Uncategorized / مئة عام من الثورة ….قصة شاعر ج2

مئة عام من الثورة ….قصة شاعر ج2

أحمد العربي

يتابع الشاعر السوري، “محمد الفراتي”
نضاله مهاجماً قوات الاحتلال الفرنسي ملهباً أفئدة الثوار بغرر قصائده، مذكراً فرنسا بماضيها المظلم، وماضينا المجيد فيقول في إحدى
قصائده:

فقل لديغول هل سدت البحار وهل

دكّت قلاعك بالغارات برلينا

إذ كنت فأراً أمام الهر منجحراً

تخشى من الموت ناباً منه مسنونا

فنحن من روّعت /ثواراً/ كتائبنا

بأرضكم وغزونا الهند والصينا

فبالفرات أريناكم بسالتنا

والصاب صرفاً سقيناكم بعاصينا

وتزداد همجية فرنسا على ثوار دير الزور وبخاصة بعد
حادث /عين البو جمعة/ عام 1924 عندما فتك الثوار بكافة جنود الشاحنة الفرنسية،
ويزداد الثوار تماسكاً وصلابةً وتصميماً على استمرارية النضال، فتقمع الثورة
بأساليب قذرة، ويُحارب الثوارُ بلقمة عيشهم فيُفصل الفراتي من عمله في التعليم، ويذهب
إلى وزير المعارف /رضا سعيد/ ويردد على مسامعه قصيدة ملؤها التأنيب والتعنيف حيث
يقول:

أمرت بعزلي لا لذنب جنيته

فهل أنت عن دار الخلود مزيحي

فلم ينثلم مجدي ولا فتلت يدي

بعزلي ولا دكّت لذاك صروحي

ويلاحق الفراتي بعد ذلك، لكن الثوار ساعدوه على
الهرب إلى بغداد..، لتحتضن بغداد شاعرنا الثائر ويلتف حوله الزهاوي، والرصافي،
والصافي النجفي، ويصدر وزير المعارف العراقي، ساطع الحصري قراراً بتعيين الشاعر
الفراتي مدرساً لمادة اللغة العربية في مدارس اليهود (الإليانص) في محلة الشورجة
ببغداد ويمكث فيها عامين جسداً لا روحاً وقد أضناه الفراق..، فراق الأهل والوطن
المنكوب فيردد متنهداً :

لا تحسبوا أنني من بعدكم فرحاً

هشاً بشوشاً أناغي من يناغيني

إن الصبابة من طبعي ومن شيمي

وما التسلي عن الأحباب من ديني

وتنتشر الأخبار السيئة عن الوطن المقهور انتشار
النار في الهشيم..، المستعمر الفرنسي يكمم الأفواه ويمارس بهمجية طقوس الرعب بكافة
صنوفه وألوانه مستخدماً أساليب ترفضها الإنسانية والشرائع السماوية فيسائل الفراتي
نفسه: ما بال قومي لا يثورون؟ ما بال قومي ساكنون؟ ماذا دهاهم وأنا أعرف عمق
الثورة فيهم..، وتمر الأيام ثقيلة كأنها كوابيس مرعبة وما من بشير، فيقلّب الفراتي
كفيه حسرة ويقول متألماً:

كم حرة والعلج يهتك سترها

تبكي على أنصارها وتنوح

تبكي وما من راحم يرثي لها

ويلاه إلا دمعها المسفوح

نم يا صلاح الدين لست بناهض

مازال فوقك جندل وصفيح

نم تحت أطباق اللحود فإنه

لم تبق في الأحياء بعدك روح

لكن سكون العاصفة لم يكن موتاً أو استسلاماً أو
خنوعاً كما ظن الفراتي، فقد كان بداية ثورة عارمة لفح سعيرها الغوطتين والجبلين
والنهرين، ويحاول الفراتي العودة إلى سورية رغم ما ينتظره فيمنع من ذلك خوفاً على
حياته وتزداد همجية فرنسا في قمع الثورة فيصرخ الفراتي ناشجاً:

أأقيم في دار السلام وصحبتي

بالشام تلقى في الحروب نكالا

نفسي تنازعني ولست بمالك

بالكرخ إلا دمعي الهطالا

فالراح لم أرشفه فيك مصفقاً

والماء لم أشربه فيك زلالا

ويوجه الفراتي إلى قائد الثورة السورية /سلطان باشا
الأطرش/ رسالة شعرية بثتها الأسلاك في مسامع الثوار يحثه على استمرارية الثورة
مهما غلت التضحيات حتى تتحقق مطالب الثوار:

سلطان إن تنهض لخصمك واثباً

فالليث يقدم للكفاح وثوبا

سلطان لا توهِن قواك جموعُهم

فلقد عهدتك في الخطوب صليبا

دافع إلى أن يمنحوك مطالباً

تحيي بلادك أو تموت نجيبا

وعندما يصل إلى الفراتي نبأ استشهاد المجاهد، أحمد
مريود فإنه يزفر الشعر حسراتٍ ويرجّعه أنيناً:

والهفتاه لفقد أحمد إنه

أدمى لعمري من بنيكَ قلوبا

لما أتاني بالعراق نعيتُه

أحسست ما بين الضلوع لهيبا

وتضيق العراق بجسد الفراتي الواهن فيرسله ساطع
الحصري عام 1927 إلى البحرين مدرساً لمادة اللغة العربية في مدرسة الهداية
الخليفية، ويمكث فيها ثلاثة أعوام وقد آلمه تخلف أهلها وأميتهم فيقول متألماً:

كيف السبيل إلى الصلاح وإنه

لجراح قلب المكرمات ضماد

وهناك جيش في الأزقة سارح

لا الوعظ ينفعه ولا الإرشاد

رحماك ربي من جفاف حلومهم

لولا تحركهم لقلت جماد

ويستنكر بقوة عزوف الأهالي عن التعليم واهتمامهم
الأول والأخير يجمع اللؤلؤ فيصرخ بهم معنِّفاً :

يا شباب العرب في هذي البلاد

بدموعي عندكم استشفع

إن نور العلم قد عمَّ العباد

فحرام بعد ذا أن تهجعوا

فمع الجهل وسوءِ الاقتصاد

لؤلؤ البحرين ماذا ينفع؟

لم ييأس الفراتي أمام إحجام معظم سكان البحرين عن
التعليم.. لقد سخر قلمه وقصائده خدمة لهذا الهدف النبيل، الذي به ترقى الأمم، إنه
العلم الذي ينير للشعب طريق الحرية والكرامة، ويأخذ بيد الجيل إلى واحة الرقي
والازدهار.. إنه سبب النهوض الحضاري الذي تفيأ في ظله الأجداد فسطروا بمداده ملاحم
خالدة في النضال وأضاؤوا بنوره دياجير ظلمات الكون..

أبني العروبة والمعاني غادة

تصبو لها الأكفاء والأنداد

فامضوا سراعاً للمعالي جهدكم

مازال فيكم للعلا استعداد

وتجلببوا بالصدق فهو شعاركم

لو كان فوق رؤوسكم جلاّد

وعندما أقلقت دعوات الفراتي للعلم والوطنية والصدق
والسير على خطا الأجداد عملاء الاستعمار في البحرين وفي مقدمتهم مدير المعارف
البحراني الذي عُرف بأنه إنكليزي الهوى أمريكي التعليم غير غيور على شعبه ووطنه
بدأت الضغوط تحاصر شاعرنا الثائر من كل اتجاه فهاجم مدير المعارف وأغلظ له القول،
وجمع حوائجه ويمم وجهه شطر بغداد، حيث يبلّغ بقرار العفو عنه ليعود إلى دير
الزور.. ،ولكن أنى للنفس الثائرة أن تستكين؟! أنى للروح الهائجة أن تهدأ والوطن
مستلب مغتصب؟!

اللقاء مع الثوار يرسم خارطة المستقبل بدماء زكية
وأكف ندية.. التضحية في سبيل الوطن هدف ما حاد عنه يوماً وما استتر خوفاً أو هلعاً
وإنما من أجل ألا يموت رخيصاً دون أن يحقق ما تصبو إليه روحه المتمردة..

ينصت الفراتي بقلق إلى أحد قادة الثورة في دير الزور
وهو يشرح له باهتمام كيف أرغمت الثورة أعداءها على تقديم الوعود والعهود على طريق
الاستقلال.. لكن الفراتي الذي خبر ألاعيب المستعمر ومكره منذ اتفاقيات سايكس بيكو
وما بعدها يقف مرتعشاً صائحاً برفيق النضال قائلاً:

يندى جبينك من وعد الكذوب فخذ

منديلَ جيبك وامسحه من العرق

وما صكوك ضمانِ الأقوياء لدى الـ

ـمستضعفين سوى حبر على ورق

وينبّه القادة الوطنيين من مغبة إلقاء السلاح، ويحذّر
الحكام المأجورين الذين ينفذون بدقة وأمانة مخططات أسيادهم الغاصبين، ويهاجمهم بكل
عنفوانه قائلاً:

يا مالكين على الرعية أمرها

هل عطفة منكم على الأطفال

لا تبرموا أمراً يكون مكيدة

تبنى حبائلها على الإغفال

ماذا ترون بفتية طُبعت على

حرية الأقوال والأفعال

لم يكفكم منها إضاعة حقها

حتى عقلتم عزمها بعقال

لقد رأى الفراتي ببصيرته النافذة أن المسؤولين
المأجورين هم أشد خطراً من المستعمر المحتل.. هؤلاء الذين أشاعوا الفساد والرشوة
والنهب والسلب في وضح النهار وأن عليه أن يفضحهم، ويكشف أقنعتهم كما أن على الشعب
أن يثور ضدهم، وها هو يخاطب شعبه عندما تتفاقم الأمور:

على من يقع اللوم

على من أيها الناس

وباب النشل مفتوح

وما في الباب حراس

وكل موظف ذئب

حديد الناب هرماس

وهل تصلح أذناب

إذا ما أنتن الراس

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *