الرئيسية / Uncategorized / «قصص وحكايات وطرائف من عصر الديكتاتورية في سوريا».. الاستبداد له شكل ضاحك

«قصص وحكايات وطرائف من عصر الديكتاتورية في سوريا».. الاستبداد له شكل ضاحك

فاطمة ياسين

كتاب “قصص
وحكايات وطرائف من عصر الديكتاتورية في سوريا” هو
قصة واحدة ذات مزاج تأريخي يقدمها
بارون السخرية السورية خطيب بدلة على
شكل جرعات قصيرة مُقَوَّاة، وينحو فيها منحى
“هيرودوت”، فيعيد صياغة التاريخ على شكل حكايات،
وقصص، وطرائف، وأحاديث يومية.

ولأن السخرية عنصرأصيل،متواجد دائماً في نثر
خطيب بدلة،
فإن
الحكايات تأتي إلى
“التاريخ” مصحوبة بعاصفة ضاحكة مجلجلة
تثير الغبار، وربما الضجيج. وحالما ينقشع الغبار، ويخفت الضجيج، يتكشفُ التأريخ عن
راهن شديد المرارة تلفُّه الأسلاك الشائكة، ثم يسعى للتملص من هذا الشَّرَك، فلا
يبقى من الضحكة سوى شهقة هي أقرب إلى زفير الهزيع الأخير من الروح.

يبدأ خطيب بدلة
الحكاية من “طقطق”.الجميع يعرف البداية ولا يتذكرها إلا وبقايا دموع في
عينيه، ولكنه يعيد التذكير بأطفال درعا مدغدغاً الكبد بشلال هائل من السخرية،
ويبدأ في دحرجة أحجار اليوميات الثورية حجراً حجراً، وكأنه يرصف سككاً للحرية
بمعول بناء نشيط.

يسرد كما يسرد الحكواتي الشاطر، حكايةَ درعا،
وعاطف نجيب، والشيخ الصياصنة، والطفل حمزة الخطيب، ثم يثبُإلى حكايات الإعلام السوري.
وهنا يفرد خطيب بدلة بَسْطَتَهُ الطويلةَ العريضة، ويبدأ وهو الخبير بشؤون الإعلام
السوري، بـ”نَشْر عِرْض” الإعلام، فلا يترك عليه ستراً مغطى حتى نكتشف،
ونحن في قلب الوهلة، أن الإعلام السوري في عهد “الجنرال وابن الجنرال”
لم يكن سوى فردة حذاء أخرى في رجل الأجهزة الأمنية العتيدة.

المادة الخام التي صُنع
منها كتاب
“قصص
وحكايات وطرائف من عصر الديكتاتورية في سوريا” مأخوذة،
أو ربما مجبولة، أو مقطوفة بعناية فائقة، وبجهد “مونتاجي” مميز، من قاع
المجتمع السوري، وتُظهر فصولُه، مجتمعةً، وبألوان قوس قزح، حجمَ الكرب السوري
الفادح.. إنها مصوغة بعبارات بسيطة، وفي الوقت نفسه متينة، وكأنها
مرت على مدقق تاريخي كـ”البُدَيْري الحلاق” الذي يهدي خطيب بدلة هذا
الكتاب له، معللاً ذلك بكون البديري قد رفض أن يكون مؤرخ السلاطين وأصر أن يكون “مؤرخ
الشعب”.

يتحدّث الكتاب عن
الجنرال، وابنه وحاشيتهما، وأزلامهما، وعن الناس العاديين الذي يمرون تحت التماثيل
والشعارات، والذين يرددون الأغاني “الوطنية”. ونكتشف، بسهولة، كيف يضيع
الوطن ويتسرب كسائل مسفوح تحت الأحذية العسكرية، على هيئةولاءات شخصية ليس إلا.

منذ لحظة الكتاب
الأولى يقرر الكاتب بأن “الجنرال” قد طوى في جيبه الأجهزة الأمنية كلها،
واحتكر آلات الإعلام، وبذلك “سَوْكَر” كرسيه لمدة نصف قرن قادم، وإن لم
تتسع حياته للجلوس على الكرسي طيلة هذا الوقت فالجيل التالي من “سلالته”
يمكن أن يقوم بالمهمة.

الشريط المأساوي يتخذ
من الضحك عموداً فقرياً يستند عليه، يبين فداحة استهتار النظام بالعقل، واعتماده
المفرط على العنف واحتكار المعلومات، فيتسربل بهيئة “السائس” أو “المروض”،
مستعملاً السوط، وربما الرصاص، للإبقاء على رأس مزرعته. وهنا يستل الكاتب الضحكات
أو يقطرها متخذاً من سلوك النظام ذاته مادة لها.

يعلق الكاتب على صور
رزم النقود التي ظهرت في بداية الانتفاضة السورية من مسجد العمري بدرعا بأنها كانت
مدموغة بخاتم المصرف المركزي السوري! ويلاحظ بأن أغنية “سوا ربينا” التي
يستخدمها الإعلام للربط بين سوريا ولبنان تغنيها فيروز كانت في الأساس موجهة لعربة
محملة بالبندورة! أما إلغاء حالة الطوارئ فلم يلغ مادة في قانون التنظيمات
الداخلية لإدارة أمن الدولة تحمي عناصر الأمن من عمل يقومون به أثناء “تأديتهم
لوظائفهم”.

إن سرد مثل هذه
المفارقات يكفي لإثارة زوبعة من الضحك وتياراً بقوة 220 فولت من الأسئلة عن ماهية
هذا النظام.

يسلط الكاتب الضوء على
الجانب الآخر من معادلة الاستبداد وهو الجانب الذي يتلقى الضربات. لا يقتصر الأمر
على تحمل الألم، لأن الألم ينفجر ويتحول إلى هجوم معاكس، يلتقطه الكاتب ويحوله إلى
ضحك مثخن موجع.

مثلاً، يعرفنا الكاتب
على رد فعل أهالي كفر نبل الذين قرؤوا تصريحات رجب طيب أردوغان، القائلة بأن حماه “خط
أحمر”، فأرادوا أن يردوا للرجل جميلة فقالوا هازئين: “اسطنبول بالنسبة
لكفرنبل خط أحمر”!!، ويُظهر لنا بعناية، حكاية الرجل الذي حاول مقابلة حافظ
الأسد مراراً وكان يقال له إن حافظ الأسد مات، ثم يبين لنا أنه كان يعرف بموته،
ولكنه كان “يطرب” لعبارة: مات حافظ الأسد!

المأساة الضاحكة عاشها
فرحان المغترب الحمصي الذي عاد بعد زمن وأراد أن يذهب إلى بيته خاله. وعندما سأل
عن الطريق جاء الجواب كسقوط برميل متفجر: “بتحط الدبابة بضهرك، وبتبقى ماشي
دغري، بتشوف عربة “بي أم بي” دايرة السبطانة عاليمين، بتمشي باتجاه
السبطانة، بتلاقي مجموعة قناصين منتشرين على الأسطحة، بتسأل بيقوم واحد منهم بيدلك
على بيت خالك!!

ليس ضحكاً، هذا الضحك،
للتسلية، أو الترفيه. وليس ضحكاً يَدَّعي الوقار والحشمة.إنما هو طريقة في التعبير
ذات جدوى و”ريعية مضمونة” تؤرخ وتسجل وتؤرشف تعمل بمنطق الشعرة والعجين
لتقديم خلاصة كثيفة تُوَصِّفُ نظاماً ذا طبيعة استبدادية قررَ أن يبقى إلى
مالانهاية، مدعياً نقاء السلالة، دليله الوحيد إلى ذلك قوة أجهزة الأمن وتغولها!

تعامل الكاتب مع هذه الحالة بمنطق أدبي فكتب
ملاحظاته وسجل ما سمع به وحول ما رآه إلى نصوص فجاءت المعرفة، والحقيقة، وجاء الضحك تحصيل حاصل
.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *