الرئيسية / تحقيقات / مقاهي حلب الشعبية.. مأوى العاطلين عن العمل ومتنفس لتخفيف الاحتقان الأسري

مقاهي حلب الشعبية.. مأوى العاطلين عن العمل ومتنفس لتخفيف الاحتقان الأسري

نسرين أنابلي
رغم انعدام الأمن في الجزء الغربي من مدينة حلب، وكثافة قذائف الهاون التي تتساقط يومياً على مختلف أحيائها، تنتشر في المدينة العديد من المقاهي الشعبية التي تستقبل الزوار على إيقاع القذائف ورائحة الموت. وأغلب رواد المقاهي هم من الشباب العاطلين عن العمل بسبب الأزمة التي دمرت اقتصاد المدينة وحرمت الآلاف من مصدر رزقهم، وأيضاً كبار السن الذين يبحثون عن أي سبيل يخرجهم من حالة العجز والملل.
عمل قليل وفراغ كبير
يقول يحيى (26سنة) من مدينة حلب، أنه بدأ بارتياد المقاهي بشكل كبير بعد أن فقد عمله كمحاسب في معمل لإنتاج الأكياس والأواني البلاستيكية في حي الشيخ نجار، ويضيف: “لم أستطع أن أجد عملاً حتى الآن، وأعيش على مساعدة أخي الذي يعمل في الكويت، ووقت الفراغ كبير لدي، فوجدت في ارتياد المقاهي فرصة جيدة لإهدار الوقت”.
“القعدة بالبيت بتخنق”. بهذه الجملة بدأ اياد (33 سنة) حديثه، واصفاً الحال الذي وصل اليه من انعدام لأدنى شروط الحياة الجيدة. ويتابع، “الجلوس في المنزل يعني أن تقضي وقتاً طويلاً بلا كهرباء، وتشعر بأنك تعيش عزلة عما يدور حولك، والذهاب للمقهى يمنحني متنفساً آخر ينسيني همومي اليومية في هذه المدينة المنكوبة، حيث نلعب الشدّة والطاولة أنا وأصدقائي ونتبادل الأحاديث الساخرة حول بعض النهفات التي تحدث معنا أثناء رحلة بحثنا اليومية عن المياه”.
بـ 350 ليرة تستطيع أن تدخن “نفس أركيلة” في أحد هذه المقاهي التي غالباً ما تكون أرضية أو في أقبية أحد الأبنية، ولا يزينها أي ديكور أو إضاءة، بل فقط طاولات وكراسي بلاستيكية وصوت المولدة الكهربائية التي تهدر في الخارج.
وبحسب علاء ( 23 سنة)، الطالب في كلية الآداب –  قسم اللغة الانكليزية بجامعة حلب، لا حاجة لك لأن تضرب موعداً مع صديقك لملاقاته هناك، فغالباً ما تجد شخصين على الأقل من معارفك متواجدين في المقهى. ويتابع علاء، “لا دراسة ولا عمل يشغلني حالياً، وبغياب فكرة السفر خارج حلب بسبب عناد أبي وإصراره على عدم ترك بيته، لا أجد متنفساً آخر سوى الأركيلة والاستماع لثرثرة الناس الجالسين في المقهى، بعضهم يروي قصصاً حزينة عن فقدان أحبتهم، وآخرون يبدون تخوفهم من الأيام القادمة وما قد تحمله من بؤس، وتمر ضمن هذه الثرثرات بعض النكات عن الوضع الحالي. بالمحصلة هو وقت يمر وفقط، والحلبيون يبذخون به كثيرا”.
لا تقتصر الخيارات الموجودة في هذه المقاهي على المشروبات الباردة والساخنة والأراكيل، حيث تستطيع أن تحصل على فطيرة من خبز الصاج بالزعتر الحلبي أو “المحمّرة” من البسطات المنتشرة بالقرب من المقاهي والتي توصل الطلب لطاولة الزبون، أو بسطات “المقالي” كما يسميها الحلبيون، التي تبيع البطاطا والباذنجان والكوسا المقلية بالاضافة إلى “العجة”، ويستطيع رواد المقهى سد جوعهم بسندويشة مقالي لا يتجاوز سعرها 125 ليرة سورية.
يقول المسؤول عن أحد هذه المقاهي: “يأتينا الكثير من الزوار وهم في الغالب من الفئة العمرية بين الـ25 سنة والـ 40، إذ نبدأ باستقبالهم من الساعة العاشرة صباحاً حتى التاسعة مساءً، وبعد هذا الوقت تنعدم حركة الزوار بسبب الأوضاع الأمنية”. ويضيف، “أعتقد أن هناك حالة من الإدمان على ارتياد المقاهي في هذه الفترة، لما تشهده من أجواء اجتماعية جميلة يتناسى من يجلس فيها ما يدور من أحداث حتى وإن كانت مأساوية، حتى أن معظم الزبائن يطلبون منا عدم وضع الأخبار في التلفزيون، فهم يأتون إلينا هرباً منها”.
المقهى حل لمشاكل الأزواج
تعترف رانيا أن جلوس زوجها في البيت بشكل دائم بعد أن فقد عمله في سوق المدينة الذي تعرّض للحرق، كان سبباً بزيادة حدة التوترات بينها وبينه، وتقول: “من أكثر الأمور التي تولد المشاكل بين الزوجين هي جلوس الرجل في المنزل، فزوجي بات يتدخل بأمور لم يكن يلقي لها بالاً عندما كان يعمل، يتدخل بإعداد الطعام وتوقيت إعداده وبتنظيف المنزل، فالفراغ لديه كبير وهو يملؤه بالتدخل بشؤون المنزل، لذلك قمت منذ فترة بتشجيعه على ارتياد المقهى وقضاء بعض الوقت بعيداً عن المنزل، وبهذه الطريقة سوف يخفف من تدخله بكل شاردة وواردة، وبالتالي تخف المشاكل والمشاجرات فيما بيننا”.
أم جمال تجد أن قضاء زوجها عدداً من الساعات في المقهى، يشكل متنفساً لها ولأولادها للتخلص من مزاج أبو جمال العصبي وتلافي المشاكل بينهم، وتضيف، “يعاني أبو جمال بمزاج عصبي، وللأسف فقد ازداد هذا الأمر مع ازدياد الأزمة وفقدان متطلبات الحياة الكريمة والأمان. عندما يجلس في البيت يقوم بتعنيف الأطفال، بسبب وبغير سبب، ويحاول أن يختلق المشاكل معي لأتفه الأمور، لذلك فذهابه للقاء أصدقائه ولعب الطاولة في أحد المقاهي متنفس لي وللأطفال من الجو المشحون والمشاكل التي تخيم على أجواء بيتنا”.
لطالما نجح أهالي حلب بالتحايل على واقعهم المأساوي والمشاكل الناتجة عنه، وقد تكون تلك المقاهي لمن هو خارج حلب مجرد مقهى وفقط، لكنها بالنسبة للمواطن الحلبي شاهد على واقع الحال الذي وصل إليه ومتنفس ينسيه الظلام والعطش اللذين يلازمانه منذ فترة طويلة. 
 

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *