الرئيسية / رأي / التحالف السعودي الإيراني يخسر الانتخابات الرئاسية التركية

التحالف السعودي الإيراني يخسر الانتخابات الرئاسية التركية

عبد القادر عبد اللي 
لعل عبارة “التحالف السعودي الإيراني” تدعو إلى استغراب البعض، فكيف لدولتين متحاربتين على الأرض السورية واليمنية والبحرينية وغيرها أن تتحالفا! وإذا كان هذا السؤال مشروعاً، ويمكن للبعض أن يطالب بالدليل على هذا التحالف، فأقول إن من يتابع القنوات التلفزيونية المموّلة إيرانياً وسعودياً يرى بوضوح هذا التوافق الذي يصل إلى التحالف. ثم ألا يقال ليس هناك عداوات دائمة أو صداقات دائمة في السياسة؟ فلمَ لا تتغير العداوة بين الدولتين، وتنقلب إلى تحالف في مكان آخر تفرضه مصالحهما؟ 
السعودية تعادي الإسلام السياسي المعتدل الديمقراطي، وتعتبر نجاح أية تجربة ديمقراطية لحزب إسلامي وفق المعايير العلمانية أو المدنية يؤثر على سلطتها، ويمكن أن يثير التساؤلات حول مشروعية نظامها. فلذلك نرى أنها تأمر القنوات الحليفة لها بأن تهاجم حزب العدالة والتنمية، وتدعم المعارضة التركية، حتى إنها تجد الأحزاب العلمانية خياراً مفضّلاً لها في تركيا لمعرفتها بأن العلمانية لا يمكن أن تؤثر على مجتمعها والمجتمع الخليجي المحافظ عموماً. وينسحب هذا على قناة المستقبل التي أسميها “المسكينة” لأن سُنّة لبنان عموماً يميلون لحزب العدالة والتنمية، ولكن قناتهم تفعل عكس قناعتهم، فتهاجم أرضوغان وإن كان بشكل عابر، وغير بارز كثيراً لكي لا تجرح مشاعر هذا الجمهور، وليس كما تفعل العربية وأخواتها. 
إيران أيضاً ترى في حزب العدالة والتنمية منافساً وخصماً في آن واحد. فهي دولة توازي تركيا في المقدرات البشرية، وتفوقها بالمقدرات المادية بسبب إنتاجها الضخم من النفط والغاز، ولكن تجربة تصدير الثورة الإسلامية لم تنجح، وحققت نفوراً وعداءً شديدين في المناطق التي صُدرت إليها، ومنها العراق، وهي تحاول الآن عبر داعش أن تحسّن صورتها من خلال المقارنة بين السيئ الأسوأ، فانتقلت البلطات من يد إلى يد، وبدأت تقوم داعش بمجازر تغطّي على المجازر التي كانت ترتكبها إيران عبر تابعيها. بينما النموذج التركي يلاقي استحسان المواطن العربي (بغضِّ النظر عمَّن يحكم في تركيا)، وخاصة النجاح الذي حققه التيار المحافظ، والذي تعتبره الشعوب الإسلامية إسلاماً سياسياً، فالتطور الذي حققته تركيا التي لا تمتلك المقدرات المادية الإيرانية تحتاج إيران إلى وقت طويل لتحقيقه. 
من جهة أخرى تُعتبر تركيا القوية عقبة أمام المشروع الإمبراطوري القروسطي الذي كثيراً ما يأتي على ذكره بعض المقربين من الإمام الفقيه، من قبيل إن سوريا محافظة إيرانية، وأن حدود إيران تصل غرباً إلى البحر المتوسط. وبالتالي فهي بحاجة إلى سلطة ضعيفة في تركيا تستطيع التلاعب بها أثناء تنفيذ مشروعها في المنطقة. 
وهكذا برز حزب العدالة والتنمية عائقاً أمام المركزين الإسلاميين المتنافرين السعودي والإيراني، ولا بدَّ من التخلص منه. أثناء الانتخابات البلدية توزع أعضاء حزب الشعب الجمهوري على قنوات “الفتنة” و”الممانعة” منذ الصباح، وبدؤوا يقرعون طبول الانتصار، وسقوط حزب العدالة والتنمية، ولكن مع بداية صدور النتائج، أغلقت قضية متابعة الانتخابات التركية، وكأنها لم تحدث… 
لعل قنوات الممانعة كانت أكثر عناداً، فبقيت متعلقة بالأمل، واعتبرت عدم حصول العدالة والتنمية على نسبة خمسين بالمائة في الانتخابات المحلية هو أمل لمنع أرضوغان من الوصول إلى رئاسة الجمهورية، وبالتالي فتح الطريق أمام تحالف يضم عدة أحزاب في الانتخابات القادمة، مع رئيس ضعيف يعيد تركيا إلى ما كانت عليه في الفترة الممتدة بين نهاية حكم طورغوت أوزال إلى عام 2002، ووصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة.  
بدا هذا المخطط قابلاً للحياة، وعادت الروح للتحالف السعودي الإيراني. كان أقصى أمل لهذا التحالف ألا تُحسم الانتخابات الرئاسية من الدور الأول، ويصل أكمل الدين إحسان أوغلو إلى الدور الثاني، ويحقق انتصاراً نفسياً على أرضوغان يفتح الباب أمام انتصارات لاحقة في استحقاقين قادمين هما التصويت على الدستور الجديد الذي سيمنح رئيس الجمهورية صلاحيات أكبر، والانتخابات البرلمانية العامة… 
يبدو أن حساب السوق لم يتوافق مع الصندوق، فباء هذا التحالف مرة أخرى بالفشل، وطبعاً لا بدَّ من عزف سيمفونية التلاعب بالنتائج لمدة من الزمن لن تطول أكثر من أسبوعين، ولكن المؤشرات الحالية تدل على أن هناك معزوفةً أخرى دخلت الحياة الانتخابية التركية وهي عدم التساوي في الشروط، فهذا ما صرحه قلتشدار أوغلو عندما ذهب ليدلي بصوته. نعم، المراقب يرى أن الشروط لم تكن متساوية، فالقوة المادية والدعائية التي لدى حزب العدالة والتنمية لم يمتلكها التحالف المعارض، ولكن هل هذا نقص في الموارد؟ لا، بل عملية الإبداع في الدعاية.. علماً أن المعارضة استطاعت أن تمنع بعض الدعايات لمرشح حزب العدالة والتنمية عبر القضاء. 
أكبر حزبين للمعارضة، وتوقيع أربعة عشر حزباً على ترشيح أكمل الدين إحسان أوغلو لم تستطع جميعها أن تجد ظروفاً متساوية؟ 
يبدو أن الأمر في مكان آخر، ولم تعِ المعارضة التركية هذا الأمر بعد، وقد ذكرتُه في هذه الشرفة من قبل: “الحكومات الديمقراطية تسقط من الداخل، والحكومات الديكتاتورية تسقط من الخارج.” 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *