حسام الجبلاوي
في النزوح الثالث له بعد خروجه الأول من مدينته معرة النعمان يتسائل أبو سعيد وهو يدق مسمار خيمته المتواضعة قرب معبر باب السلامة، وبجانبه طفلته الصغيرة وزوجته، عن المكان الجديد الذي قد يأوي إليه مستقبلا، بعد وصوله إلى آخر الأمتار في بلده هربا من القصف: “لا يريدون لنا أن نعيش، لم يتركوا لنا قرية آمنة. وصلنا إلى الشريط الحدودي، وما يزال الخطر محدقا بنا. ماذا نفعل بعد ذلك، أين نذهب بأنفسنا؟”.
فبين عشرات الآلاف الواصلين إلى المنطقة، تلتصق خيمة أبو سعيد بالخيم الأخرى، وهو وإن شكا من الطين والبرد الذي كسا ثيابه، ومن غياب ملابس أسرته التي تركها في تل رفعت، إلا أنه يعتبر نفسه محظوظا بالخيمة التي حصل عليها، والتي لم ُيقدّر لغيره حتى الآن امتلاكها.
بحسب أرقام أممية: هُجِّر ما يقارب 70 ألف نازح من منازلهم، بعد مئات الغارات الجوية الروسية التي استهدفت بلدات شمالي حلب، بالتوازي مع عمليات حربية موازية
قرب باب السلامة، وعلى طول الشريط الحدودي مع تركيا، امتلأت أراض الزيتون بآلاف السوريين الواصلين من الريف الشمالي والشرقي، في أكبر عملية نزوح تشهدها سورية منذ بداية الثورة. وبحسب أرقام أممية، هُجِّر ما يقارب 70 ألف نازح من منازلهم، بعد مئات الغارات الجوية الروسية التي استهدفت بلدات عندان، حريتان، بيانون، أعزاز، وتل رفعت شمالي حلب، بالتوازي مع عمليات حربية موازية.
يصف أحمد، وهو أحد النازحين من بلدة بيانون، في حديثه لـ”صدى الشام”، الوضع بـ”الكارثي” حيث يقضي آلاف الأطفال والشيوخ المسنين ليلهم في العراء والطين، في درجات حرارة منخفضة، بانتظار أن تفتح تركيا الحدود، وتسمح لهم بالعبور، علّهم يحظون بظروف إنسانية أفضل.
يقضي آلاف الأطفال والشيوخ المسنين ليلهم في العراء والطين، في درجات حرارة منخفضة، بانتظار أن تفتح تركيا الحدود، وتسمح لهم بالعبور
ويضيف: “خرجت من منزلي على عجل بعد أن أصاب صاروخ منزل جاري. لم نستطع أخذ حاجاتنا. لو نظرت حولك لوجدت كارثة بشرية لا يمكن للعالم أن يتصورها، حيث نبحث عن الماء ونقضي حاجتنا في الخلاء. لا أحد يكترث بحالنا، بينما يستمر العالم بمشاهدة معاناتنا وكيف تهدمت بيوتنا”.
قصص إنسانية كثيرة تضيع هنا بين سطور المعاناة، ولعل أشدها قساوة ما حدث مع النازح محمد قراجا بعد أن فقد رضيعه ذي الأربعة أشهر أمام عينيه بسبب البرد، بحسب ما رواه.
هذه الظروف الصعبة دفعت بالبعض لمحاولة اجتياز الحدود ولو بطرق غير شرعية، وتسببت هذه الحالات بإطلاق نار من قبل الجنود الأتراك لإبعاد النازحين عن الباب الرئيسي، وهو ما تسبب بمقتل الشابة “غالية الزكور”، التي نزحت مع أسرتها من بلدة “صوران الباب”، الخاضعة “لتنظيم الدولة الإسلامية”.
ورغم إعلان تركيا على لسان وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو، أن بلاده لا تزال تمارس سياسة “الباب المفتوح” أمام اللاجئين السوريين، وأنها “لن تتخلى عنهم”، نفى والي مدينة كيليس الحدودية مع سورية، سليمان تابسيز، إمكانية إدخالهم حاليا، وقال: “إن الأولوية الآن لتقديم المساعدات على الجانب السوري من الحدود، لإبقاء النازحين في أرضهم، وأن الحدود ستفتح عندما تصبح الاستعدادات داخل كيليس جاهزة”.
والي كيليس: إن الأولوية الآن لتقديم المساعدات على الجانب السوري من الحدود، لإبقاء النازحين في أرضهم، وأن الحدود ستفتح عندما تصبح الاستعدادات داخل كيليس جاهزة.
وتتوقع الأمم المتحدة أن تتواصل موجات النازحين القادمين إلى معبر باب السلامة، نظرا لقدوم أعداد أخرى أيضا من الريف الشرقي، مع مواصلة روسيا والنظام لعملياتهم الحربية قرب مدينة الباب ومنبج. ورجحت مصادر أن يتجاوز العدد خلال الأسبوع القادم، الـ 150 ألف نازح، في ما يعتبر أكبر كارثة تشهدها المنطقة منذ سنوات.
وفي سياق متصل ذكرت وكالة “أفاد” التركية (إدارة الكوارث والطوارئ)، التابعة لرئاسة الوزراء، أن الوكالة وضعت خطة طوارئ من أجل استقبال 200 ألف لاجئ من حلب وريفها، في حين افتتحت هيئة الإغاثة التركية “İHH” مخيما قرب باب السلامة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث