صدى الشام
في المسافة بين المطر والأرض يولد الشعر. من صوت هذه الأرض الذي ينده على المطر، من رائحتها التي تفضحها لحظة هطوله، يولد الشعر. من القهر حين نهجر عن أوطاننا، من الموت المتربص بنا في كل زاوية، من تحدينا وشغفنا بالحياة، من أحلامنا التي نقاتل بها الظلم، من حرية أحلامنا المطلقة يولد الشعر. من الشعر الذي قراناه، من ذاكرتنا التي خزنت ينابيع الوجع والحب والأدب والدهشة، من تجاوزنا لذاتنا وإيغالنا بالتمسك بها، منا ومن نقيضنا، يولد الشعر.
غسان زقطان، شاعر عربي فلسطيني، كرم هذه السنة كأول شاعر عربي يفوز بجائز غريفن للشعر في كندا، بعد أن قررت لجنة التحكيم المؤلفة من نقاد أمريكيين وكندين فوز عمله المترجم للانكليزية “كطير من القش يتبعني” عن فئة الشعر العالمي، وهي من أرقى الجوائز الشعرية العالمية.
يشكل هذا الفوز انتصارا حقيقيا للشعر وللهمّ وللشخصية العربية والفلسطينية. فغسان المدافع دائما عن الحياة وعن حقنا بها، تربى على قصائد درويش وأخذ منها كيمياء تشكيل الدهشة، لكنه لم يسمح لنفسه ولشعره أن يكون أسير طريقة درويش وشكل موسيقاه وخطاه الطاغية، فاستطاع أن يعطي لشعره هوية خاصة وطعما مختلفا قادما من تراب بلدته الفلسطينية بيت جالا التي ولد فيها عام 1954، وبقيت حاضرة في روحه. هجره الصهاينة منها إلى مخيم الكرامة في غور الأردن حيث عمل والده الشاعر خليل زقطان كمدرس في وكالة الأنروا.
عاش غسان في بيت تملؤه السياسة ويملؤه الشعر، وقد كان البيت مناخا خصبا للمناقشات الفكرية والأدبية والسياسية، وكان حائط الغرفة الوحيدة فيه مكتبة كبيرة شكلت لغسان منذ طفولته، سماء واسعة وفضاء مغريا وخصيا. وقد قال أنه قرأ كل ما كانت تطاله يده، ولو كانت قامته أطول بـ 10 سم لتغيرت اتجاهات قراءته ولتغيرت شخصيته أكثر، ولتغيرت حياته كلها.
هجرت العائلة مرة ثانية عمان ليعيش غسان تجربة النزوح الثانية، وكان دائما يكتب ما يعيشه كعادة أغلب الفلسطينيين الذين كانت الكتابة والقراءة المعادل الوحيد لوطنهم الضائع. في عام 1977 حصل غسان على جائزة رابطة الكتاب الفلسطينيين، ومن هنا بدأت مسيرته ولينتقل لبيروت لممارسة عمله السياسي بعد انتسابه للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ولتبدأ أيضا مسيرة شعرية أكثر انفتاحا. فبعد ديوانه الأول “عرض حال الوطن”، جاءت مجموعته “صباح مبكر” لتضعه بالموازاة مع أمجد ناصر وباقي شعراء مرحلته. خرج غسان زقطان مع المقاتلين الفلسطينيين من بيروت في سفينة إلى عدن، عند الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، لكنه عاد بعد شهر إلى دمشق، وهناك استلم قسم الثقافة في جريدة الحرية لأربع سنوات، وهو يعتبرها من أهم وأغنى مراحل حياته. بعدها استلم غسان زقطان إدارة تحرير فصلية البيادر في تونس.
بعد اتفاق أوسلو عاد غسان ليقيم بشكل دائم في رام الله وليكمل فيها تجربته الشعرية التي بدأت بالغنى والتميز والاختلاف إذ أخذ دائما يكتب الصورة الكثيفة ضمن تفاصيل بسيطة خالية من البلاغة المبالغ بها، ومليئة بحقيقة الحياة، إلى أن نشر مجموعته التي حصدت الجائزة والتي ترجمها للإنكليزية “فادي جوده”، ثم نشر أخر مجموعاته “لا شامة تدل أمي علي”.
واليوم وبعد فوزه بالجائزة، يعلن غسان زقطان أن “لا جائزة وجياع مضايا يشكلون مجزرة جديدة، ويعيدون للذاكرة تل الزعتر وصبرا وشاتيلا. إذ أن المجرم واحد وسياسات العالم لم ولن تتغير”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث