الرئيسية / رأي / ديون ميتة قضت على ما تبقّى في الاقتصاد من حياة

ديون ميتة قضت على ما تبقّى في الاقتصاد من حياة

أثارت
وزيرة سابقة حفيظتي من خلال طلبها من المصارف بالاستمرار بمنح القروض، في موقف
يمكن اعتباره “متاجرة وطنية” من السيدة الوزيرة، وفق منطق انفعالي يراد
منه-على ما أحسب- لفت الانتباه، أو الظهور في موقع”الفهمان”، لأن سيادتها لم توجّه كلامَها للمصارف الحكومية
التي من المفترض أن تستمر بمنح القروض، ولو عبر الإقراض الخارجي والتمويل بالعجز،
وليس لمصارف خاصة أكل التضخم النقدي حتى رساميل فروعها، وحالت حرب الأسد أو نحرق
البلد، حتى دون استرداد أموال المؤسسين والمودعين.

وهاكم
حكاية القروض، وكيف تعامَلَ المصرف المركزي معها بالمسطرة نفسها؟ ما يدلل على بقاء
الذهنية الهدامة ..أيضاً إلى الأبد .

جدّد مصرف سوريا المركزي قرار عدم السماح
للمصارف العاملة في سوريا من عامة، وخاصة منح القروض، مبرّراً أن القروض أوقفت
خلال الفترة الماضية بقرار حكومي بناء على اقتراح من السلطات النقدية المختصة
حفاظاً على سيولة بعض المصارف العامة، وتعرّض بعضها للمخاطر، لأن-وجهة نظر
المركزي- إعادة فتح القنوات التسليفية والإقراضية في المصارف العاملة، وتحديداً
العامة منها يرتكز إلى أسس عدة يبرز منها توفر السيولة المطلوبة لدى كلٍّ من هذه
المصارف إضافة إلى الجدوى الاقتصادية من هذا القرض ناهيك عن أسس أخرى لضمان القروض،
بعدما رزحت المصارف تحت وطأته من قروض متعثرة بمليارات الليرات السورية ممّا ينفي إمكانية
إعادة الإقراض في الوقت الحاضر بالنسبة لبعض المصارف التي قد تجاوزت قروضها الخطوط
الحمر.

وأصبحت السيولة خلال الفترات الماضية أقل من
النسب التي حددها مجلس النقد والتسليف. فالمسألة لا تتعلق بأشخاص طبيعيين أو
اعتباريين بل تتعلق أولاً وآخراً بتوفر مقومات الإقراض لدى المصارف وتوفر الجدوى
من ذلك وقدرة المقترض على السداد لأن الأموال التي تقرض للأشخاص طبيعيين كانوا أم
اعتباريين من صناديق المصارف إنما هي أموال مودعين آخرين، وأموال المصرف بشكل
نهائي، ولذلك لا صلة لتصنيف الشخص بين طبيعي واعتباري في مسألة عودة القروض من
عدمها.

قد يكون تبرير “أبو المصارف” من وجهة
نظر اقتصادية نظرية، صحيحة، لكنّها لا تتناسب بالمطلق مع مفهوم الدولة التي حرص
نظام الأسد أن تكون”دولة أبوية” بعد انسحاباته المتتالية من
“الليبرالية” واقتصاد السوق الذي أقرّه المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث
الحاكم عام2005، فما جرى من ملاحقة شركات الصيرفة والإملاء على المصارف الخاصة
والحجز على أموال رجال الأعمال بتهم الإرهاب أو تمويله، وتجميد بعض الاستثمارات
لدول عربية وأوروبية، يوحي أن نظام الأسد يمكن أن يقدم على وضع اليد
وربما”تأميم”جديد يعيد سوريا إلى عهد”النضال والمد القومي”
وقت فعلها سالفوه أيام الوحدة مع مصر مطلع ستينيات القرن المنصرم. لأن الدول التي
تهتم بدوران عجلة إنتاجها وتحسين اقتصادها، وبالتالي مستوى معيشة مواطنيها، لا
تقيس العمل العام بمنطق الربحية، وأخص دولة مثل التي يقودها بشار الأسد، بددت كامل
أموالها، ورهنت مصير ومستقبل السوريين، في تمويل الحرب على الحرية والكرامة، فكيف
تبرر حكومة الأسد تمويل الحرب بالعجز والاستدانة، ولا تموّل المصارف العامة لتسعف
من تهدمت منشآتهم بنيران الحرب، من إعادة هيكلتها وتدوير آلاتها وضخ منتجاتها في
السوق السورية التي تعاني الندرة وارتفاع الأسعار، لئلا نجافي الحقائق والبدهيات
الاقتصادية نقول: من حق المصارف الخاصة أن تتوقف عن منح القروض، بل و”تهرب
بريشها” من سوق مصرفية لا تتحقق فيها أدنى شروط الأمان، بيد أن مأخذنا على
حاكم المصرف المركزي أديب ميالة في تجديد قرار إيقاف القروض وتمويل المنشآت
الاقتصادية، هو من منطلق ومفهوم عمل الدولة، والتي-والمصارف الأوروبية والأمريكية
دلائل وقت أزمة 2008 التي فجرها بنك ليمان برازدرز – قد تسعف المصارف عبر زيادة
رأسمالها التأسيسي أو عبر الإقراض من صناديق، وحتى مصادر خارجية، بصرف النظر عن
ضعف مصادر التمويل التي تعانيها المصارف السورية عامة بسبب عدم تغطية رأس المال،
وعدم القدرة على جذب الودائع، إضافة، وهو السبب الأهم برأينا، وصول كتل الديون
المشكوك بتحصيلها”الميتة” إلى أكبر من رأس مال بعض المصارف، وعدم البتّ
بالديون الملاحقة قضائياً بسبب التوقف عن التسديد..والأسباب هنا كثيرة، منها تهديم
المنشآت والمشروعات جراء التي تم الاقتراض لأجلها، أو هروب المقترضين إلى خارج
القطر.

أما
النقطة التي لم يأت عليها المصرف المركزي، وهي الأهم في عدم الاستمرار في منح
القروض، إضافة إلى عدم ضمان التسديد وصعوبة معرفة ملاءة المقترض وقدرته على السداد،
في واقع وصول نيران الحرب لكلِّ المُدُن والمنشآت واحتمال التهديم في أية لحظة،
إضافة إلى ذلك، هي مسألة التضخم النقدي الذي لحق بالليرة السورية وأمل سعر صرفها
أمام العملات الرئيسية، فإن كانت خسارة الليرة من قيمتها تجاوزت 140% منذ اندلاع
الثورة عام 2011 فأي سعر فائدة يمكن أن يعوّض للمصارف تلك الخسائر الهائلة فيما لو
جازف واستمر في الإقراض.

ولعل في آخر تقرير رسمي صدر عن مجلس النقد والتسليف
وعن المصارف الخاصة العاملة في دمشق، إنما أكد على وقوعها في خسائر كبيرة بفعل
انخفاض سعر صرف الدولار . على سبيل الذكر لا الحصر، وخلال في الأخير من عام 2013 سجل
بنك الأردن -سوريا خسارةً – في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الفائت فقط- وصلت
إلى حوالي 850 مليون ليرة أيّ ستة ملايين دولار، وأصبحت قيمته الدفترية تعادل 2.45
مليار ليرة أي نحو 18 مليون دولار في حين أن بنك سوريا والمهجر خسر في الفترة
ذاتها، 400 مليون ليرة أي 3 ملايين دولار، وأصبحت قيمته الدفترية 1,47 مليار ليرة
سورية أي ما يعادل عشرة ملايين دولار ، خلاصة القول: المسألة على ما نعتقد أبسط
مما ساقها المصرف المركزي وأكثر سهولة للفهم، فالإيداع توقف في جميع المصارف
العاملة في سوريا، لأن التَّضخُّم سيأكل من كتلة الإيداع أضعاف ما يمكن أن يعوّضها
سعر الفائدة الذي لا يتجاوز11% وأن حجم الإقراض زاد عن الإيداعات أصلاً قبل اندلاع
الثورة، بل وأكبر حتى من رأس مال المصارف ومن الاحتياطي الإلزامي المودع في المصرف
المركزي كضمان استعادة مبلغ أي مودع فيما لو حدث طارئ، ولم يستطع المصرف تسديد الإيداعات.

هذا إن لم نأت على “العامل النفسي”
المتأتي عن الحرب والذي يزيد الشكّ لدى كبار وصغار المودعين بإمكانية استرجاع إيداعاتهم،
فالثقة هي ما يجذب المستثمرين والأموال والمودعين، وليس الإعفاءات والخطابات والشعارات
كما يظن نظام بشار الأسد .

عدنان
عبد الرزاق

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *